فهرس الكتاب
الإيمان ومكنون التوحيد، فلا يطلبه إلا صادق الإيمان قوي البرهان: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحجرات:15] .
فحقيقة الجهاد؛ قائمة على صقل النفس وتجريدها لربها وخالقها بفعل أوامره، والإقدام على وعوده، وهذا لا يكون إلا إذا حُف هذا الطريق بالشدائد والمحن، ولهذا يقول الله عز وجل: {وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد:4 - 6] ، ويقول: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد} [البقرة:253] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي لابد أن يعقد شيئا من المحنة يظهر فيه وليه، ويفضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم، وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به استار المنافقين فظهرت مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم) .
وتأملوا يا عباد الله قوله سبحانه تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11] .
روى البغوي في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الرجل من الأعراب كان يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ولد له بعد الإسلام غلام وتناسل فيه وكثر ماله، قال: هذا دين حسن، هذا دين جيد، فآمن وثبت، أما إذا لم يولد له غلام ولم يتكاثر خيله، ولم يكثر ماله، وأصابه قحط أو جدب، قال: هذا دين سيئ، ثم خرج من دينه وتركه على كفره وعناده) .