فهرس الكتاب
هذا القتال هو أخص أوصافِ أهل هذه الطائفة المنصورة، وألصقُها بهم، فهو شعارهم ودثارهم، وهو دنياهم وآخرتهم، وهو فراغهم وشغلهم، وهو حلهم وترحالهم، عكفوا عليه، وتنادوا إليه، فكان التسابق زرافاتٍ ووحدانًا.
قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:5] .
وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .
وقد جاء التعبير عن هذه الصفة الحَدِّية من صفات الطائفة المنصورة بلفظ القتال، ولم يأت بلفظ الجهاد، قاطعًا الطريق على من أُشربوا في قلوبهم حبَّ التأويل -والذي حقيقته التحريف- ليمنعهم من تحريف هذه الصفة عن حقيقتها إرضاءً لشهواتِهم وخضوعًا لشبهاتهم، وليضعَهم في مواجهَةِ أنفسهم مواجهةً يتبعُها إما القيام بأمر الله وتحقيق شرط صحة النسبة للطائفة المنصورة وأهلها، وإما التخاذل والتقهقر وبطلان النسبة وانكشاف الادعاء.
بل وقع في بعض روايات الحديث أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للقتال إنما هو لزعم بعضهم ألاَّ جهاد وأن الحرب قد وضعت أوزارها؛ فعن سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: (كنتُ جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله أزال الناسُ الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا لا جهاد، قد وضعتِ الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال:"كذبوا، الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعدُ الله، والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) ."
إنه قدرُ القتال، وسبيلُ المواجهة مع الباطل حقيقةٌ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدع بها في وجه أعدائه