فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 943

واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة) قال جابر رضي الله عنه: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذرُ لكم عند الله، فقالوا يا أسعد: أمط عنا يدك فو الله لا نذرُ هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا، فأخذ علينا وشرط يعطينا بذلك الجنة.

لله درك يا ابن زرارة على هذه المقالة! يا لها من كلمات تنبئُ عن معرفة بحقيقة الصراع بين الحق والباطل، ومنذ اللحظةِ الأولى قبل البيعة، كلماتٌ خرجت من فِيِّ من سلمت فطرتُه، ولم تلوثها تلكم المتاهات النظرية، والسفسطات الكلامية، والفلسفاتِ العقيمة.

كلماتٌ نسوقها إلى أولئك الذين ما عقلوا طبيعة هذا الدين، ولم يعوا بعدُ حقيقته، وليتهم اكتفوا بتخاذلهم وقعودهم عن الجهاد؛ لهان المصابُ إذن، ولما انشغلنا بتوجيه اللوم لهم، ولكنهم أبوا إلا أن يضفوا على هذا القعود والتخاذل الصبغة الشرعية، فخرجوا على الأمة بمناهج دخيلة على ما كان عليه سلف الأمة وعلماؤها، كانت بمنزلة معول الهدم في بنيان هذا الدين شعروا أو لم يشعروا، حقنوا أجساد أبناء هذه الأمة بجرعات من التخدير والتثبيط، وعقدوا على ناصية رؤوسهم ثلاثًا، وكلما هم أبناء الأمة لينفضوا غبار الذل الذي تغشاهم، ويهبوا نصرة لدينهم، ودفاعًا عن حرماتهم؛ نادوا عليهم أن ارقدوا عليكم ليلٌ طويل، إن الدواء لما ترونه في جسد أمتكم من جراح وما تحسون فيه من آلام إنما هو بأن تُغمدوا سيوفكم، وتكسروا رماحكم وتلزموا دوركم ...

هكذا يُخدّرُ أبناءُ هذه الأمة! وهكذا توأد فيهم روح الجهاد، وبماذا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت