فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 943

على الفانية، والآجلة على العاجلة، فكان منهم المسارعة لبذل الغالي والرخيص، والنفسِ والنفيس، محبة لمولاهم وتقرّبًا لخالقهم، وقد رأوا أن الدنيا بما فيها أحقرُ مِن أن تُقعِدَهم عن نيلِ محبة الله ورضاه، فمضوا وحاديهم {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] ، فجادوا بنفوسهم يوم أن ضنَّ بها الكثيرون، وبذلوا دماءهم رخيصة [هنا يبكي الشيخ] يوم أن بخل بها المدعون.

وهذا والله [هنا يبكي الشيخ] إنما هو محض فضل من الله عليهم، {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54] ، وفضل الله هذا لا يوفق له كلُّ أحد؛ فأهلُه هم المصطفون الأخيار، المفضلون على غيرهم من العالمين، والله أعلم حيث يضع فضله ومنته، فالمجاهدون هم خيرة الله من خلقه، لبّوا نداء خالقهم لإمضاء العقد وتسليم المبيع: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111] .

وهم المتأسون المقتدون بسيِّد الخلق -صلى الله عليه وسلم- القائل: (والذي نفسُ محمَّدٍ بِيَده لولا أن أشق على المسلمين؛ ما قعدتُ خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) .

ورحم الله القائل؛ (إنما هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل في الترهات) .

إن أول قدم في الطريق بذلُ الروح ... هذه الجادة فأين السالك .. ؟

ورحم الله الشيخَ أبا أنس الشامي يوم أن قال لي يومًا مثبتًا ومسليًّا: (يا فلان! سنبقى نحفرُ بالصخر حتى نصنع مجدًا لأمتنا) . [هنا يبكي الشيخ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت