فهرس الكتاب
شك أسهل وأهون من البداية بالدعوة من حيث لا شيء، غير أن هذا هو فهم من لم يفهم حقيقة الدعوة، رغم حرصه الشديد على مصلحتها.
فما كان للدعوة أن تسير ولو لحظة واحدة تحت شعار آخر غير"لا إله إلا الله"لفظًا ومعنى، فتُنْفَى العبادة في أي صورة من صورها عن كلِّ المعبوداتِ الباطلة التي تُنازعُ اللهَ سلطانه، ويُفرَدُ اللهُ وحدَهُ بالعبادة في كل صورها ومعانيها الظاهرة والباطنة، مع البراءة من الشرك وأهله، ولذا كان رده -صلى الله عليه وسلم- قويًّا حاسمًا قاطعًا كلَّ أمل المشركين في صرف الدعوة وحرفها عن جوهرها.
وتأمل بعين البصيرة وعين البصر حديثَ أمِّ سلمة -رضي الله عنها- حين قالت:
(لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جارٍ النجاشي أمِنَّا على ديننا، وعبدنا اللهَ لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأُدُم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثُوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما؛ ادفعوا إلى كلِّ بطريق هديتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار، وعند خيرِ جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديَّته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومِهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملكَ فيهم فتشيروا عليه بأن يُسلّمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلمُ بما عابوا عليهم، فقالوا لهما نعم، ثمّ إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدينٍ