فهرس الكتاب
أرأيت بنيانًا تطاول أهله
في رفعه والأس هار هامد
وصحَّ أنّ قريشًا أرسلَتْ عتبة بن ربيعة، وهو من ساداتها، إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأتاهُ فقال له: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطَة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومَكَ بأمرٍ عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرتَ به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل يا أبا الوليد أسمع) ، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: (أفرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، قال (فاستمع مني) قال: أفعل، قال: {بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت:1 - 4] ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرأها عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد؛ ثم قال (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك) .
ولا شكّ أن عشر معشار هذه العروض، فضلًا عن ذات العروض نفسها؛ هي مما يسيل له لعابُ الكثيرين اليوم من الحريصين على مصلحةِ الدعوة، لا سيما وقد يقال إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان بإمكانه بعد أن يستجيب له سادات قريش وزعماؤها، وبعد أن يُذعنوا له بالسيادة والُملك وبعد أن يُسلموا له زمام وقياد أمرهم، وبعد أن يتأكدّ هو -صلى الله عليه وسلم- من استحكام الأمر في يديه -أن يستخدم هذا كله ويوظفه لتحقيق مصلحة الدعوة، وهذا بلا