فهرس الكتاب
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39] .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلتُ يارسولَ الله ابن جدعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِم، ويطعمُ المسكين، فهل ذاك نافعُه؟ قال: (لا ينفعُه، إنه لم يقل يومًا ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ؛ والمراد أنّه لم يكن موحدًا، ولذا لم ينفعه ما جاء به من عملٍ صالح، ولو كثر وعظم.
وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطُكَ وينصرك فهل نفعه ذلك قال (نعم، وجدتُه في غَمَراتٍ من النار فأخرجته إلى ضحضاح) .
ورغم أن نصرةَ النبي -صلى الله عليه وسلم- والغضب له والذود عنه من أعظم الأعمال الصالحة وأجلها عند الله إلا أنها لما لم تكن مبنية هنا على التوحيد لم تنفع صاحبها شيئًا، ولم تصرف عنه دخول النار والخلود فيها.
فتحقيق التوحيد وإقامَتُه عند أهل الطائفة المنصورة أصلحُ المصالح وأعلاها، والتفريطُ فيه وتضييعُه بالتلبس بضده وهو الشرك أفسد المفاسد وأشدها وأعظمها، ولذا كانت مصلحة تحقيقِ التوحيد خارجةً تمامًا عن نطاقِ قاعدة الموازنات التي تكلمنا عليها، إذ ليس هناك على الإطلاق مصلحة أعظم من مصلحة تحقيق التوحيد لتُقّدَّمَ عليه، بل ليس هناك مصلحة تدانيه او تقترب منه فضلًا عن أن تكون هناك مصلحة تجاوزه وتتقدم عليه، كما أنّه ليس هناك مفسدة أعظم وأشد من مفسدة تضييع التوحيد، والتفريط فيه بالتلبس بضده من الشرك، فتحقيقُ التوحيد أعظم مصالح الدعوة بإطلاق كما أن تضييعه والتفريط فيه أفسد المفاسد بإطلاق.
ما لم يك التوحيدُ أصلًا راسخا
للعابدين فكل فرع فاسد