يبكيك يا أبا عبد الله؟)، قال: (قدماي لم تغبرا في سبيل الله) .
لم تغبر قدماه عندما كان الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فماذا لو كان الجهاد فرض عين؟ تُرى لو كان ابن عبيد في زمانا ماذا تظنون أنه قائل؟ والله لكان لسان حاله:
فيا جبال اقذفي الأحجار *** ويا سما ء امطري مهلًا وغسلينا
ويا كواكب آن الرجم فانطلقي *** ما انت إن أنت لم ترمي الشياطينا
لقد حل بالأمة ما حل من ويلات ونكبات وتعطيل لشريعة رب الأرض والسماوات يوم تخاذل علماء الأمة عن التضحية، يوم أن ضعفت جذوة الجهاد في صدورهم، فتخلفوا عن الركب، يوم غاب عن أذهانهم أن الأمة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بدماء العلماء، وأن التضحية بدمائهم هو نتاج طبيعي للإرث النبوي الذي ورثوه في صدورهم.
ورحم الله ابن حزم يوم أن قال:
مناي من الدنيا علوم أبُثّها *** وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي *** تناسى رجال ذكرها في المحاضر
وألزم أطراف الثغور مجاهدًا *** إذا هيعة ثارت فأول نافر
لألقى حمامي مقبلًا غير مدبر *** بسمر العوالي والدقاق البواكر
كفاحًا مع الكفارفي حومة الوغى *** وأكرم موت للفتى قتل كافر
فياربّّّ لا تجعل حمامي بغيرها *** ولا تجعلني من قطان المقابر
ذلك ابن حزم ... وأنعم بابن حزم.