فهرس الكتاب
رَأَوْا قُوَّةَ الدَّولَةِ السُّلجُوقِيَّةِ، وَتَمَكُّنِهَا وَاستِيلائِهَا عَلى بِلادِ الشَّامِ إِلى غَزَّةَ، وَلم يَبقَ بَينَهُم وَبَينَ مِصرَ وِلايةٌ أُخرَى تَمنَعُهُم وَدُخُولَ الإِقسِيسِ إِلى مِصْرَ وَ حَصرَهَا، فَخَافُوا وَأَرسَلُوا إِلى الإِفرَنجِ يَدعُونَهُمْ إِلى الخُرُوجِ إِلى الشَّامِ لِيملِكُوهُ"."
وَ يَقُولُ الدُّكتُورُ مُصطَفَى العَنَانِيّ، نَقلًا عَن المُؤَرَّخِ اللاتِينِيَّ المُعَاصِرِ لِلحَملَةِ الصَّليبِيَّةِ الأُولى"كفَارُو الكَاسكِي": لِيَكُن مَعلُومًَا لدَى الجَمِيع الآن، وَفِي المُستَقبَلِ وَفِي عَهْدِ البَابَا"أُوربَان الثَّانِي"الطَّيبِ الذِّكرِ، أَنَّ الدُّونَ"جُون فرِيد"بِصُحبَةِ الكُونت"فرَاند لِينِيس"وَعَدَدٌ آخَرُ مِنَ النُّبَلاءِ وَالسَّادَةِ، الذِينَ رَغِبُوا فِي زِيَارَةِ ضَرِيحِ السَّيِّدِ المَسِيح -عَليهِ السَّلامُ- قَدْ ذَهَبُوا إِلى مَدِينَةِ"جَنَوَة"وَمِنهَا رَكِبُوا السَّفِينَةَ الجُندِيَّةَ المَعرُوفَةَ بِاسمِ"بُومِيلّا"لِيُبحِرُوا إِلى الإِسكَنْدَرِيَّةِ، وَلمَّا وَصَلَ الوَفدُ إِلى مِينَاءِ الإِسكَندَرِيَّة، اتَّجَهُوا بِصُحبَةِ الجُنُودِ الفَوَاطِمِ إِلى مِينَاءِ مَدِينَةِ بَيتِ المَقدِسِ -أَي يَافَا- وَعِندَمَا أَرَادُوا دُخُولَ المَدِينةَ عَبرَ بَوَّابَتِهَا، لِزِيَارَةِ ضَرِيحِ السَّيِّدِ المَسِيحِ رَفَضَ حُرَّاسُ المَدِينَةِ دُخُولَهُم إِلا أَنْ يَدفَعُوا الرُّسُومَ المَفرُوضَةَ عَليهِمْ حَسْبَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ كَالعَادَةِ، وَمِقدَارُهَا بِيزَنْطٌ وَاحِدٌ لِيتَمَكَّنُوا مِنَ الدُّخُولِ"."
وَ يُفَسِّرُ الدُّكتُورُ العَنَانِيُّ هَذَا الحَدَثَ بِقَولِهِ:"إِنَّ هَذِهِ الرِّحلَةَ التِي قَامَ بِهَا الأُمَرَاءُ الصَّلِيبِيُّونَ لَم تَأتِ مِنْ فَرَاغٍ، وَبِلا اعتِقَادَاتٍ وَاتِّصَالاتٍ مُسبَقَةٍ، بَينَ هَؤُلاءِ الأُمَرَاءِ الفَاطِمِيِّينَ في مِصرَ، فَلا يُعقَلُ أَن يَقُومَ هَؤُلاءِ الأُمَراءُ الصَّلِيبِيُّونَ بِزِيَارَةِ مِينَاءِ الإِسكَندَرِيِّةِ دُونَ أَن يَستَقبِلَهُمْ مَسؤُولُوا الأَمنِ فِي المِينَاءِ، وَدُونَ وُجُودِ اتِّصَالاتٍ سَابِقَةٍ وَتَرتِيبٍ سَالِفٍ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَامَ بِهِ الفَاطِمِيُّونَ مِنْ ارسَالِ جُندِ حِرَاسَةٍ اصطَحَبُوا السَّفِينَةَ"بُومِيلا"إِلى مِينَاءِ بَيتِ المَقدِسِ، وَكَانَ الهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ حِمَايَةُ هَؤُلاءِ الأُمَرَاءِ مِنْ خَطَرِ السَّلاجِقَةِ، إِبَّانَ رِحلَةِ الذَّهَابِ وَالعَودَةِ مِنَ الإِسكَنْدَرِيَّةِ إِلى بَيتِ المَقدِسِ، التي استَغرَقَتْ أَكثَرَ مِنْ عَامَينِ."
وَ بَعدَ أَنْ تَحَرَّكَت الجُيُوشُ الصَّلِيبِيَّةُ قَادِمَةً مِنْ أُورُوبَّا فِي أُولَى الحَمَلاتِ الصَّلِيبِيَّةِ عَلى بِلادِ المُسلِمِينَ، وَأَثنَاءَ مُرُورِهَا بِمَضِيقِ"البُسفُورِ"فِي أَرَاضِي الدَّولَةِ البِيزَنطِيَّةِ، أََخَذَ مِنهُمُ الإِمبرَاطُورُ"كُوفِين"يَمِينَ الوَلاءِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَنْ يَسعَوْا لِلوُصُولِ إِلى الإِتِّفَاقِ مَعَ