فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 943

فَرَاحُوا يَتَمَلَّقُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ نِفَاقًَا مِنْ كِبَارِ المَسؤُولِينَ فِي الدَّولَةِ، وَيُعلِنُونَ الوَلاءَ وَالطَّاعَةَ جَهْرًَا، وَيُبيِّتُونَ مَا لا يَرضَى مِنَ القَولِ سِرًَّا، حَتَّى انخَدَعَ بِهِم كَثِيرٌ مِنَ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ ...

فَنَرَاهُمْ يُقَلِّدُونَهُمْ المَنَاصِبَ الهَامَّةَ وَالحَسَّاسَةَ فِي الدَّولَةِ ... وَمِثلُ هَذَا الرَّافِضِيُّ الشَّهِيرُ"ابنُ العَلقَمِيّ"الذِي قَلَّدَهُ الخَلِيفَةُ المُستَعصِمُ الوَزَارَةَ غَفلَةً مَنهُ وَتَضيِيعًا، وَإِلا .. أَمَا كَانَت تَكفِيهِ العِبرُ مِنَ التَّارِيخِ القَرِيبِ مِمَّا فَعَلَهُ الرَّافِضَةُ بِأَجدَادِهِ .. ؟

وَلكِنْ لِيقضِيَ اللهُ أَمرًَا كَانَ مَفعُولًا، وَلِيَرصُدَ لنَا التَّارِيخُ جَرائِمَ القَومِ وَخِيَانَاتِهِم، وَقُعُودَهُمْ لأَهلِ السُّنَّةِ كُلَّ مَرصَدٍ، وَهُم يَتَرَقَّبُونَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ .. فَمَاذَا كَانَ جَزَاءُ الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيّ إِلا أَنْ تَآمَرَ الحَاقِدُ"ابنُ العَلقَمِيّ"مَعَ شَيخِهِ الرَّافِضِيِّ"نَصِيرُ الدِّينِ الطُّوسِيّ"عَلى هَدمِ البِلادِ وَقَتلِ العِبَادِ وَخَلعِ الخَلِيفَةِ بَعدَ أَنْ رَاسَلُوا"هُولاكُو"مَلِكَ التَّتَارِ بِدُخُولِ بَغدَادَ، وَوَعَدُوهُ بِمُنَاصَرَتِهِ وَالتَّوطِينِ لَهُ مِنْ خِلالِ خِطَّةٍ وَحِيلَةٍ مَكَرَ بِهَا ابنُ العَلقَمِيّ؛ حَيثُ أَوهَمَ الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ بِأَنَّ عَدَدَ الجُنُودِ كَثُرَ وَزَادَ عَلى دِيوَانِ الجُندِ حَتّى بَاتُوا مِنْ كَثرَتِهِم يُشَكِّلُونَ عِبئًَا اقتِصَادِيًّا عَلى الدَّولَةِ، وَأَنَّ الدَّولَةَ تَحتَاجُ فِي مَرَافِقِهَا الأُخرَى أَكثَرَ مِن حَاجَتِهَا فِي الجُندِ ...

فَأَشَارَ عَلِيهِ أَنْ يُقَلِّلَ نِسبَةَ الجُندِ ...

فَمَا إِن وَافَقَ عَلَى هَذِهِ الفِكرَةِ وَهَذَا المَبدَأِ؛ حَتَّى رَاحَ يُسَرِّحُ الكَتَائِبَ تِلوَ الكَتَائِب .. فَبَعدَ أَنْ كَانَ عَدَدُ الجُنُودِ مَا يُقَارِبُ المائَةَ أَلفٍ، صَارُوا قُرَابَةَ العَشرَةِ آلافِ جُندِيٍّ ..

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابنُ كَثِيرٍ:"وَكَانَ الوَزِيرُ ابنُ العَلقَمِيِّ قَبلَ هَذِهِ الحَادِثَةِ يَجتَهِدُ فِي صَرفِ الجُيُوشِ وَإِسقَاطِ اسمِهِم مِنَ الدِّيوَانِ، فَكَانَتِ العَسَاكِرُ فِي آخِرِ أَيَّامِ المُستَنصِرِ قَرِيبًَا مِنْ مَائَةِ أَلفٍ مِنهُمُ مِنَ الأُمَرَاءِ مَنْ هُوَ كَالمُلُوكِ الأَكَابِرِ الأَكَاسِرِ، فَلَمْ يَزَلْ يَجتَهِدُ فِي تَقلِيلِهِمْ إِلى أَنْ لَم يَبقَ سِوَى عَشرَةِ آلافٍ، ثُمَّ كَاتَبَ التَّتَارَ وَأَطمَعَهُم فِي أَخذِ البِلادِ، وَسَهَّلَ عَليهِم ذَلِكَ، وَحَكَى لَهُمْ حَقِيقَةَ الحَالِ، وَكَشَفَ لَهُمْ ضَعفَ الرِّجَالِ؛ وَذَلِكَ كُلِّهِ طَمَعًَا مِنهُ أَنْ يُزِيلَ السُّنَّةَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت