وفي مشهد آخر من مشاهد ذاك المعسكر الطيب أهله، استيقظ الجميع على بشارة وجه من وجوه الخير فقد رأى هذا الوجه الطيب - ولعله عبد الهادي دغلس _ فيما يرى النائم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشير بيده إلى الشيخ أبي مصعب رحمه الله ويردد قائلًا:
إن هذا _ أي المعتز بالله _ خيرٌ من ذاك النفر، وأشار بيده إلى أحد خصوم الشيخ في الأردن من أصحاب المناهج المخالفة لمنهج الحق الذي يحمله الشيخ بين طيات قلبه ...
وما أن سمعها شيخنا حتى ذرفت عيناه وبلَّل الدمع وجنتيه، ولا أدري أسالت دموعه فرحًا بتلك الرؤيا المبشرة، أم ظنًا منه أنه أقل من أن يذكره النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ويثني عليه بما سبق ذكره.
ولم يمض كثير وقت على تلك الرؤيا الطيبة، حتى بان لي بعضٌ من ثبات جنانه وقوة عزيمته، وحسن تدبيره ورباطة جأشه ... ففي ليلة ظلماء من ليالي جلال آباد المشهودة، وقد آوى كل منا إلى فراشه، تعرض المعسكر المتواضع الذي ضمنا بين أضلعه لقصفٍ صاروخيٍ بقذائف الـ BM، وما أن ارتطمت القذائف بباحة المعسكر، حتى استيقظ الجميع على دوي انفجارها الذي أماد الأرض من تحتنا وزلزل الأقدام .. وهنا تحرك ابن الزرقاء وقد لفَّته العزيمة، وأحاطت به رباطة الجأش، وعلت جبهته أمارات حسن القيادة وعلامات ثبات الجنان يوم الروع ... أقول: تحرك رجل الحرب وراح يوزع جنده على مداخل المعسكر، تحسبًا لأي عملية اقتحام، وسرعان ما أخذ مكانه المناسب كرأس حربةٍ للتصدي للقطعان التي خانت الله ورسوله ...
أسد الحروب إذا الفوارس في الوغى ... هزوا القواضب والقنا الخطارا
وما أن وضع القصف الغادر أوزاره حتى صعد شيخنا وبرفقة نائبه الأخ الحبيب خالد العاروري (القسَّام) قمة الجبل المطلة على المعسكر حيث مركز الطلبة، وهناك وبعد طول تحقيق تبين الخبر وانكشف المستور، وظهر أن منافقًا مزروعًا بين الطلبة، كان يقوم بتصحيح مسار قذائف العدو الصاروخية للنيل منا، وتم إلقاء القبض عليه لينال عقابه الرادع ولله الحمد والمنة.
وإن كنت ناسيًا في هذا المقام فلا أنسى طيف ذاك اليوم، وقد حلَّ أحد أبناء الهجرة ضيفًا كريمًا على معسكرنا، ولم يلبث بعد أن قمنا بواجب الضيافة، أن عرض عليَّ مرافقته الرحلة إلى معسكر خلدن كي أشارك أبناء الهجرة هناك فرحة العيد، فسرني الأمر وسرعان ما قصدت الشيخ ليأذن لي بالذهاب، إلا أنه وبكل أدب وأخوة إبمان ردني مخافة أن تفوتني بعض الدروس، وحتى يتسنى