وفي حقيقة الأمر أن مواقفه التي شاهدت كثيرة، وآثاره التي حُدثت عنها عديدة، ولكنني سأقتصر مرغمًا في هذه العجالة على سرد بعض من تلك المشاهد الحية، التي مازالت عالقة في الذاكرة، محفورة في الوجدان، ضاربة بجذور مودتها في أعماق النفس التي أحبته.
فلقد جمعتني بفضل الله مع المعتز بالله أمير الاستشهاديين ليالٍ وأيامٌ مباركة، ليست كمثيلاتها من الأيام، أيام خير وبركة قلما يجود الزمان بمثلها على مثلي:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها وتنغصت من بعدهم أفراحي
فهناك بين وهاد جلال آباد الأفغانية، جمعنا الله سوية تحت سقف واحد، لننهل من معين الخير حيث الشيخ أبو خباب المصري ومعسكره لتصنيع المتفجرات، ويومًا بعد يوم وعلى أنغام وقع المواد المتفجرة التي صُغنا قوالبها معًا، توثقت العلاقة الأخوية في الله، وازدادت أواصر المحبة في جنب الإله.
ولم يمض كثير وقت على هذه الصحبة المباركة، حتى بانت حقيقة نفسه الأبية، وظهر عظيم تواضعه لكل ذي عينٍ بصيرة ...
فما أن يسدل الظلام أستاره على تلك البقعة الطيبة، التي كَرُمت بوطء أبي مصعب لثراها حتى يدون الأخ الحبيب الشهيد القائد عبد الهادي دغلس -رحمه الله - أسماء من حظي بحراسة إخوانه ليكون المعتز بالله على رأس ذاك النفر السبَّاق لنيل أجر تلك الليلة ...
ولكم كنت أحرص دومًا أن لا تكون نوبته في الحراسة، هي التي تلي نوبتي، وما ذاك إلا حياء من إيقاظه من النوم وهو الأمير الذي ناله في النهار من التعب والإرهاق ما ناله ...
ومع تلك المشقة التي تصاحب الاستيقاظ وقد انتصف الليل، إلا أنه عادة ما كان يلقاني بابتسامته المعهودة وكأن لسان حاله يقول:
لا عليك يا أبا عبيدة إنه الأجر .. إنها الجنة .. إنه رضى رب العالمين ..
بِهِمَّتِكَ الطولى بَلَغتَ إِلى المُنى ... وَذو الهِمَّةِ القُصرى يَروحُ كَما يَغدو