فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 943

وكان ابن تيمية يدور على الأسوار كل ليلة يحرض الناس على الصبر والقتال ويتلوا عليهم آيات الجهاد والرباط.

ولما عادت الحياة إلى دمشق دار ابن تيمية وأصحابه على الحانات فكسروا آنية الخمور، ثم خرج ابن تيمية مع الأثرم - نائب دمشق - إلى بلاد جبيلة وكسروان لتأديب الرافضة والباطنية على دعمهم التتار، وإغارتهم على المسلمين، فخرج رؤسائهم إلى ابن تيمية فأظهروا الطاعة والندم، وردوا كل ما أخذوا، ثم عاد الأثرم إلى دمشق، وصدرت الأوامر أن يُعلق الناس الأسلحة بالدكاكين، وأن يتعلموا الرمي فبنيت"الإماجات"- وهي معسكرات التدريب في دمشق - وأمر الفقهاء أن يتعلموا الرمي استعدادًا لأي ظرف طارئ.

وهكذا يجب الاستعداد من الأمة في اوقات الخاء حتى إذا نزلت الشدائد انبرى من أبنائها من يدافع عنها ويرد عنها كيد الأعداء، وفي سنة ثنتين وسبعمائة للهجرة دخل التتار بلاد الشام، فاضطرب الناس، وقنتوا في الصلاة، ثم كان أولى المواجهات، فجاءت قوة التتار قوامها سبعة آلاف مقاتل، فتصدى لها جماعة من أبطال الشام عددهم ألف وخمسمائة، فنصر الله جنوده.

ومع اقتراب جيش التتار انسحب الجيشان - الحموي والحلبي إلى حمص - ثم خافوا أن يباغتهم التتار فنزلوا إلى مرج الصُفّر، ووصل التتار إلى حمص، ثم ساروا إلى بعلبك، فاشتد خوف الناس، وانتشرت الإشاعات والأراجيف، فكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دور كبير في تهدئة الناس والحفاظ على الاستقرار الداخلي.

ثم بدأ بعض الناس يُشككون في: شرعية قتال التتار؛ لأنهم يظهرون الإسلام تمامًا كما يفعل بعض المنهزمة الآن في قتال جند الطواغيت.

قال ابن حزم في المحلى: (إنه لا أعظم جرمًا بعد الكفر ممن نهى عن الجهاد في سبيل الله وأمر أن تُسلم الحريم إلى أعداء الله) انتهى كلامه رحمه الله.

فانبرى ابن تيمية لهم وأصدر فتاويه المشهورة في وجوب قتال التتار، وفند جميع الشبه التي أثيرت حول هذه المسألة، وكان يقول للناس: لو رأيتموني في ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني؛ فتشجع الناس للقتال وقويت قلوبهم.

ولما اقترب التتار التفت ابن تيمية إلى أحد أمراء الشام وقال: (يافلان، أوقفني موقف الموت) . يقول الأمير: (فنقلته إلى مقابلة العدو، وهم منحدرون كالسيل تلوح اسلحتهم تحت الغبار، ثم قلت: يا سيدي هذا موقف الموت وهذا العدو وقد أقبل تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت