فهرس الكتاب
الغبرة)، فرفع الشيخ طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرّك شفتيه طويلًا يدعو ربه، ثم التحم بالتتار، واشتد القتال، واشتعل النزال، واستبسل الأبطال، ففر التتار إلى الجبال. ثم أظلم الليل وحاصر المسلمون الجبال، وقد امتلئت قلوب التتار بالرعب.
أيها المجاهدون:
إن الدين لايقوم إلا على أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبدًا على أكتاف المترخصين والمترفين، وحاشاه أن يقوم على أكتافهم.
فالدين العظيم لا يقوم إلا على أكتاف العظماء من الرجال، والمسئولية الجسيمة التي ناءت بحملها السموات والأرض، لا يمكن ان يقوم بها إلا أهلها ورجالها.
إن كنت تنوح يا حمام البان للبين ... فأين شاهد الأحزان
أجفانك للدموع أم أجفاني ... لا يُقبل مُدّع بلا برهان
كيف يقوم الإسلام ويعود إلى سالف مجده وعزه دون عزمة كعزمة أبي بكر الصديق يوم الردة، إذ أقسم ذلك الشيخ الكبير، الرقيق البكّاء في عزمة من أعظم عزماته قائلًا: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لومنعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام لقاتلتهم على منعه) .
كيف يقوم الإسلام دون عزمة كعزمة أنس بن النضر، الذي قال: (لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع) ، فشهد أحدًا فقاتل حتى وجد بجسده وهو ميت بضع وثمانون طعنة وضربة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: (اللهم إني اسالك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد) .
إن الهمة العالية لتغلي في القلوب غليان الماء في القدر، وإنها لتستحث صاحبها على عظائم الأمور صباح مساء، حتى يكون كما يقول الشافعي رحمه الله: (الراحة للرجال غفلة) .
وهذا الصحابي عبدالله بن جحش ينتحي جانبًا مع سعد بن أبي وقاص قبل غزوة أحد، واتفقا على أن يدعو كل واحد منهما دعاءً ويؤمن الآخر فكان دعاء عبدالله بن جحش: (اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا باسه أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني