كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *** فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ
فتىً مات بين الضرب والطعن ميتة *** تقوم مقام النصر إذ فاته النصرُ
أمتنا الإسلامية الغالية؛ لإن أحزننا فراق الأحبة، أبي مصعب وصحبه، فقد سرنا أن أنفسهم سالت في هذه الملاحم العظام وهم يذودون عن شريعة الإسلام، ولأن أُصِبنا بِفارِسٍ من أعظم فُرسانِنا و أميرٍ مِن خيرَةِ أُمَرائِنا، فقد سَرَنا أننا وجدنا فيه رمزًا وقدوةً خالدةً لأجيال أمتنا الماجدة، وسَيذكُرُه المجاهدون ويدعون له، ويثنون عليه شِعرًا ونثرًا، سِرًا وجهرًا، سَنُثني عليه بما عَلِمْنا.
فقد كان سَمِحَ المُخالطةِ ما لم يُظلَمِ *** و إن آنس الناس فزعًا كرَّ غير مُذمَمِ
مضى أبو مصعبٍ رافعَ الرأسِ، عزيزَ النفسِ، حُرًا أبيًا، كريمًا وفيًا، لم يعطي في دينه الدنية، ولم يَنَمْ على الضيم أبدًا، ولم يُداهن في الحقِ أحدًا، عزيزًا على الكافرين، رحيمًا بالمؤمنين، مُحرضًا على القتال، و مجاهدًا في سبيل الدين.
و مِن أقواله رَحمه الله: (فلا خير في عيشٍ تُنتَهَكُ فيه أعراضنا، و تُداسُ فيه كرامة أخَواتِنا، ويحكُمُنا فيه عُبّادُ الصليب) .
وقوله: (نُقاتِلُ في العِراق و عُيونُنَا على بيتِ المقدس، الذي لا يُستَردُّ إلا بقُرآنٍ يهدي و سِيفٍ يَنْصُر) .
وكان رحمه الله محَِلَ محبة أصدقائه، وتقدير أعدائه، فالمنصفون منهم شهدوا له ومدحوه، ولا عجب.
مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة *** غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
عليك سلام الله دومًا فإنني *** رأيتُ الكريمَ الحُرَ ليس له عمرُ