لقد ذكّرتنا يا أبا مصعب بسالم مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال للصحابة الكرام:"بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي"، فوالله إنّ الأمّة لم تُؤتَ من قِبَلك فكنت ذاك الأسد الضرغام و البطل الهمام فقد كنت صابرا مصابرا مقاتلا محتسبا ... فحيّاك الله من بطل.
و لا زال في الأمّة رجال يذكّروننا بأولئك الأخيار صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم و كما يقال: في الزوايا خبايا و في الرجال بقايا ... قرّ عينا أبا مصعب و هنيئا لك الشهادة و لكل من قُتل في سبيل الله.
أسلّي قلبي المحزون عنكم *** إذا ما شوق لقياكم دعاني
أقول له بأنّ الموت حق *** و لقيانا الأحبّة في الجِنان
و ما أجمل و أغلى ما قاله سيد قطب عليه رحمة الله عند تفسيره لقوله تبارك و تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} :"إنّ الشّهداء لمختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتّخذهم لنفسه -سبحانه- فما هي رزّية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص .. إن هؤلاء هم الذين اختصّهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه -سبحانه- ويخصّهم بقربه."
ثمّ هم شهداء يتّخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحقّ الذي بعث به للناس. يستشهدهم فيؤدّون الشهادة، يؤّدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدّونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحقّ، وتقريره في دنيا الناس، يطلب الله -سبحانه- منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحقّ، وعلى أنّهم آمنوا به، وتجرّدوا له، وأعزّوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أنّ حياة النّاس لا تصلح ولا تستقيم إلّا بهذا الحق، وعلى أنّهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة