فهرس الكتاب
فلما جاء يوم الجمعة وحان وقت الزوال فصلى أبو نصر بالناس، وبكى السلطان، وبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه بعد الصلاة، وقال لهم: من أراد الإنصراف، فلينصرف فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وإنما جهاد ورغبة في لقاء الله.
ثم ألقى القوس و النشاب، وأخذ السيف، ولبس البياض، وتحنط، وقال: (إن قُتِلت فهذا كفني) ، وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما اقترب منهم ترجّل، ومرّغ وجهه في التراب، وبكى وأكثر من الدعاء، وطلب النصر من الله، ثم ركب، وحمل على الروم، وحمل المسلمون حتى وصلوا إلى وسط الروم وحجز الغبار بينهم.
وما هي إلا جولة حتى أنزل الله نصره، وهُزِمَ الروم، ومنحوا المسلمين أكتافهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، حتى امتلأت الأرض بالجثث، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفا، أي أن كل مسلم قتل عشرة من الروم، ووقع ملك الروم وبطارقته جميعا أسرى بين يدي المسلمين.
واليوم و غدًا، و إلى أن يلاقي المؤمنون مع عيسى عليه السلام، جحافل الباطل التي تملأ الأرض آنذاك، فتضمحل أمام صولة الإسلام، ستبقى هذه هي المعادلة الوحيدة في دائرة أرض المعركة؛ النصر أو الشهادة، والعاقبة محسومة لنا.
وفي جهاد أمتنا اليوم، آياتٌ كثيرة، تجلِّي هذه الحقيقة العظيمة؛ آياتٌ في الأحداث، وآياتٌ في الأشخاص.
والأشخاص العظام هم الذين يُجري الله تعالى على أيدهم الأحداث العظيمة، فيصنعون تاريخ الأمم.