إن الأمير الزرقاوي لم يكن في يوم من الأيام شخصا واحدًا، بل هو جبهة متكاملة لا يمكن القضاء عليها بقتل بضعة رجال .. إنه كيان متكامل متشعب مترابط بعقيدة وعزيمة وقوة لا يمكن تفكيكها وخلعها بالقنابل، وهذا ما لا يفهمه من لم تخالج العقيدة قلبه، ولم يتغلغل الإيمان في شغاف نفسه ..
لإن قتلوه فإنه ترك خلفه من يسوء وجوههم من ليوث كرهوا الحياة وأحبوا لقاء الله، وقد علّمهم الزرقاوي احتضان الموت بصدر رحب، والهجوم على العدى كالشّهب، فهم بين منغمس في عدوه، ومفجر فيهم نفسه، ومنعطف عليهم ببأسه، ولسان حال أحدهم يقول:
أمشي الضَّرَاءَ لأقوام أحاربهم ... حتى إذا ظَهَرتْ لي منهم الفُقَرُ (1)
جمعتُ ضَبْرًا جراميزي بداهيةٍ ... مثل المنيّة لا تُبقي ولا تذَرُ (2)
[ (1) الضراء: الخفية، والفُقر: والجوانب والقرب .. (2) الضَّبر: جمع القوائم والوثب، الجراميز: القوائم]
إن موت الأمير الزرقاوي درس للمسلمين يجب أن يعوه، فالقيادة ليست خالدة، ومصير الأمة ليس في يد رجل كائنا من كان، ومن كان يعبد الرجال فإن الرجال يموتون .. الله وحده الحي الباقي سبحانه، ومصير الأمة والكون في يده سبحانه، وإن كان الله معنا فلن نضيع، والمطلوب منا أن ندعوه أن لا يكلنا لأنفسنا طرفة عين، وأن نؤمن بأنه هو يفعل ويختار لنا ما يشاء سبحانه وما يختاره هو الأفضل والأصلح لنا، فإذا اختار بقاء القادة فله الحمد والمنة، وإذا اختار قبضهم فله الحمد والمنة، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68] ، فعلى المؤمن أن يرضى بقدر الله ويسلّم أمره لله، ولا يسخط ولا يعترض على أمر الله وتدبيره الحكيم ..