أما السجن فدخله آمنًا مطمئنًا متأسيًا بالكريم يوسف عليه السلام، فوقف طودًا شامخًا ولم يستسلم لوعود الطاغوت الكاذبة المعسولة، ولا لتهديداته الجوفاء، فمكث فيه زمنًا محولًا السجن إلى ساحة علمية، عاكفًا على كتاب الله عزوجل حفظًا ومدارسة، وما أن أطلق سراحه حتى طار كالطير الذي أودع في القفص إلى عشه الذي لا ينفك عنه، فعاد إلى أفغانستان.
وعند بسط الاحتلال الصليبي خيمته المهترئة على عراق الرشيد انتقل إليه حاملًا تجربة جهادية رائعة، فتفتقت - على أرض القعاع والمثنى .. العراق الأبي - قدراته العسكرية ونبوغه الفكري، فهو القائد الفذ في معترك الصراع القائم بين جند الإسلام وبين جند الصليب، والمربي الفطن البارع ينير الدرب أكثر فأكثر من خلال أشرطته السمعية المنشورة عبر الشبكة العنكبوتية.
وأخيرًا آن الأوان لنودِّع أبا مصعب الزرقاوي الشهم الأشم والقائد حقًا، التوديع الذي يمتزج فيه الحزن بالفرح، الحزن لأننا فقدنا رجلًا في زمن عز فيه الرجال، ولقد كنت أنا العبد الفقير أُشبه بطلنا الشهيد بإذن الله بالقائد الشهيد بإذن الله عماد الدين زنكي، الذي دوخ الجيش الصليبي في المناطق المحتلة، فأعاد الله عزوجل التاريخ نفسه، فقضيا نحبهما بعد أن غرسا بذور الجهاد وخلَّفا جيلًا ينشد القتال طريقًا وحيدًا للخلاص من هذا الذل المضروب والصغار المبسوط على أمتنا الغالية.
أما الفرح فلأنه حظي بما خرج لأجله وهو الشهادة فنال ما تمناه - إن شاء الله - الشهادة أسمى أماني المؤمن الصادق، قاتل في سبيل الله مقبلًا غير مدبر، فقَتل وقُتل {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} أجل، ودَّعتُ الزرقاوي العزيز بدموع غزيرة انسابت على خدي ممزوجة بالمحبة الصادقة، لأن موت العزيز صدمة، وأخونا الزرقاوي أعز وأغلى.