على كل من أراد رد الناس إلى الأمر الأول، وهم في هذا السبيل لا يستحيون من التحالف مع الطواغيت وعلماء السوء، لتكوين جبهة واحدة مشتركة، لصد الناس وفتنتهم عن دينهم.
رابعًا: العوام من الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق، ووقود كل فتنة، ممن لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، فهمهم الأكبر إشباع غرائزهم وقضاء شهواتهم ونيل لذائذهم، لا يعرفون للحياة معنىً غير هذا، وبئست الحياة.
ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء في خندق الطاغوت وحلفه، وأن يكونوا هم قطيعه الذي يقوده حيث شاء، وعَصاته التي يبطش بها بكل من أراد القيام بأمر الله والثبات عليه.
وهؤلاء أصناف شتى جمعهم حب الدنيا، وألّف بينهم التعلق بزينتها وشهواتها من جاه ومنصب ونساء ومطعم ومشرب وغيرها من حظوظها الفانية.
ورحم الله الإمام ابن بطة، حيث قال: (والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضًا، لو ظهر لهم من يدعي النبوة - مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - أو من يدّعي الربوبية؛ لوجد على ذلك أتباعًا وأشياعًا) انتهى كلامه.
وإذا كان كلامه رحمه الله عن زمانه، فهل يستغرب على أهل عصرنا - إلا من رحم الله - الوقوف في صف الباطل وأشياعه لمحاربة الحق وأتباعه.
ويساهم في هذا الواقع ويكرسه فتنة هي أشد على الكثيرين مما سبق، وهي ممن عرف الحق، أو قام بشيء منه، ولكنه عجز عن القيام به كاملًا، وعلى الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، لسببٍ أو لآخر، فراح ينشر الشبهات والأراجيف، لتثبيط كل من أراد القيام بأمر الله على الوجه الذي يرضيه سبحانه، ليسلم له حاله، وتبقى له مكتسباته، وإنما كانت هذه الفتنة أشد وضررها أعظم، لما يمثله التلبيس والتدليس من خصوصية في إخفاء الحق وصد الناس عنه.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (ولا ينفق الباطل في الوجود إلا بشوب من الحق) .
وبهذا الترتيب العجيب والتمازج الشديد، أضحى الأمر كما قال القائل:
ولتشهدن بكل أرض فتنةً ... فيها يباع الدين بيع سماحِ
يُفتى على ذهب المعز وسيفهِ وهوى النفوس وحقدها المذحاحِ