فهرس الكتاب

الصفحة 934 من 943

وهكذا يضغط الواقع على الكثيرين ممن يسعون للقيام بأمر الله، حيث يشعر هؤلاء أن كل من حولهم يخالفهم في ما هم عليه، بل وينابذهم على ذلك بكل ما يستطيع، فهم يسيرون في طريق موحشة، لا معين فيها ولا أنيس، والجميع حولهم يدعونهم ليسالموا أو يداهنوا أو يقفوا موقفًا وسطًا ويلتقوا مع الجاهلية في منتصف الطريق، بدعاوى وشعارات معلومة مشهورة.

وتزداد الفتنة وتعظم البلية، عند صبغ هذه الدعاوى بصبغةٍ شرعية، وتخريجها تخريجًا فقهيًا، يعتمد الوسطية وينبذ ويحارب التشدد، فتنهال الاتهامات من مختلف المستويات على من يريد القيام بأمر الله متهمين إياه بالتطرف والغلو بل والإرهاب فضلًا عن الخارجية، ليجد العبد نفسه محاصرًا بدائرة محكمة من الاتهامات والإدانات، والتي لا ينقصها التدليل الشرعي، تصمُّ مسامعه صيحاتها، من كل حدب وصوب مناديةً عليه ببطلان ما هو عليه، ومروقه عن الطريق القويم، وحيدته عن الصراط المستقيم، وبعده عن الدين، ومخالفته للعالمين أجمعين، والهدف هو الضغط على العبد ليتجنب الانتساب إلى الحق في خاصة نفسه، فضلًا عن دعوة الآخرين إليه، ومن ثم التنازل والتراجع والنكول والنكوص عن أمر الله، ومسايرة الواقع القائم.

وقد جاء عن الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: (كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه أناسًا لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الأمين والخائن، ولا بين الجاهل والعالم، ولا يعرفون معروفًا وينكرون منكرًا) انتهى كلامه.

قال الإمام ابن بطة - معلقًا على قول الفضيل: (فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه وعلمنا أكثره وشاهدناه، ولو أن رجلًا ممن وهب الله له عقلًا صحيحًا، وبصرًا نافذًا، فأمعن نظره وردد فكره، وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم والأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرّمون، ويعرفون ما كانوا يُنكرون) انتهى كلامه.

والجملة الأخيرة من كلام ابن بطة، هي إشارة جليّة إلى فتنة ضغط الواقع، حيث ينضغط الكثيرون بضغط الواقع ومن خلال طوق الجاهلية المحكم والذي يحيط بالعبد من كل مكان إحاطة السوار بالمعصم، فيسعون وقد انكسرت قلوبهم وهُزمت نفوسهم وناحت كواهدهم، تحت مطارق هذا الضغط العنيف لنفي تلك الاتهامات عن أنفسهم، بل والتبرؤ منها ومن أصحابها وإظهار أنهم أصحاب منهج مغاير، يقوم على الاعتدال والواقعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت