والوسطية وينبذ التشدد والمثالية الخيالية، ويلتقي مع الواقع القائم، فلا يحاربه أو يسعى لاستبداله وإنما هو الإصلاح الرقيق والتغيير السلمي الذي ينطلق من هذا الواقع ويسايره، ويرجع إليه لا غير، وهم في سبيل ذلك يتكيفون في كل قالب، ويتطاوعون لكل ضاغط.
ولهذا المنهج الانهزامي التلفيقي سلسلة أليمة من المفردات والمظاهر المتعددات والتي يجمعها كلها كونها إفرازات ضغط الواقع الجاهلي، فمحاولة الالتقاء والانسجام مع هذا الواقع ومسايرته وعدم الظهور بمظهر الخارج عليه هو مصدر هذه السلسلة من المفردات ومرجعيتها، وإن كان ذلك على حساب تطويع المحكمات والقطعيات الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لهذا الواقع بل والتجاسر على ادعاء النسخ فيها.
ومن ذلك ما قرره بعضهم في تجاسر وجرأة على دين الله، يحار فيها العقل السليم، من أن أحكام أهل الذمة قد نُسخت كليًا وجزئيًا، بما يعرف اليوم بأحكام المواطنة، ومهما قيل حول هذه السلسلة الأليمة من المفردات والمظاهر تبريرًا أو تفسيرًا، فليس لأصحابها من موقع في صفوف الطائفة المنصورة أبدًا.
ومن أخطر نتائج الوقوع في هذه الفتنة؛ هو استمراء المنكر واعتياده، حتى قد يزول إنكاره بالكلية من القلب نتيجة هذه المسايرة المنهجية للواقع والتي تؤدي إلى استمراء المنكر والرضا به، بل قد يستقر في القلب استحسانه والإنكار على من أنكره، إذ كل ما انضغط العبد وتراجع للوراء خطوة بفعل ضغط الواقع، ازداد استعداده للانضغاط والتراجع خطوات، وما يزال به هذا النهج، حتى يصبح الانضغاط للواقع والتراجع والتنازل له خلقًا ودينًا للعبد، وتضعف لديه إرادة الثبات بصورة مستمرة حتى تتلاشى تمامًا، وتصير لديه القابلية التامة للتنازل والتراجع عن كل شيء وأي شيء بسهولة ويسر.
قال سيد رحمه الله: (الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزءٍ منها ولو يسيرًا، لا يملك أن يقف عند ما سلّم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء) انتهى كلامه.
وقد تتعاظم فتنة ضغط الواقع، وتستفحل في نفوس البعض، حتى تكون سببًا للوقوع في الكفر والشرك الصراح، وقد أعلمنا الله سبحانه وتعالى أن هذه الفتنة كانت السبب الرئيس في وقوع الكثيرين في الكفر والشرك، رغم ما قام لديهم من العلم بل واليقين في صحة وصدق ما جاء به الأنبياء والرسل.