قال تعالى حكاية عن قوم نوح عليه السلام أنهم قالوا ردًا عليه: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} ، وحكى الله تعالى عن قوم هود قولهم له: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} ، وقال تعالى عن قوم صالح: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} .
ونظائر هذه الآيات في القرآن كثيرة معلومة وكلها مصرحة أن العبد قد يخرج من الحق إلى الباطل خضوعًا لضغط الواقع ومسايرة للناس ولما هم عليه، حيث للجموع والحشود الغفيرة والعادة المتأصلة والإرث المتداول المحفوظ سطوة قوية وهيبة في نفوس الكثيرين تدفعهم لمخالفة الحق وموافقة الباطل والإذعان له.
وكأن حذيفة صاحب السر وخبير الفتن رضي الله عنه كان يشير إلى فتنة ضغط الواقع تلك، حين قال: (أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يُؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون) .
أما أهل الطائفة المنصورة ...
فهم يدفعون ضغط الواقع ولا ينضغطون له أو به، إذ عملهم هو في الأساس والمقام الأول؛ إخضاع الواقع لأمر الله وأطرِه عليه أطراَ وهم يقومون بذلك بفضل الله أولًا ثم بيقينهم وصبرهم ثانيًا، إذ فتنة ضغط الواقع هي فتنة الغربة بجوانبها المتعددة ومظاهرها المختلفة والتي يعيشها أهل الطائفة المنصورة في سعيهم نحو إقامة أمر الله.
وقد كان الحسن رحمه الله يقول: (صدق الله ورسوله، باليقين طلبت الجنة، وباليقين هُرب من النار، وباليقين أُدّيَت الفرائض، وباليقين صُبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتقربون في العافية فإذا نزل البلاء تفارقوا) انتهى كلامه.
فأهل الطائفة المنصورة يصبرون على غربة الطريق ولا يوحشهم قلة السالكين، ولهم في ذلك الأسوة التامة بخير خلق الله وصفوتهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: (عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد) .
فقلة السائرين وغربة الطريق وتفرد السير من نهج الأنبياء والمرسلين في القيام بأمر الله.