فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 943

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) .

فنص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الغربة هي أصل هذا الأمر، وأساسه وإليه يرجع.

وقال الطرطوشي رحمه الله: (ومعنى هذا الحديث: أنه لمّا جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيّه غريباَ فيهم، مستخفياَ بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف، يتغصص بجرع الجفاء والأذى، ثم يعود غريباَ لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس، لقلتهم وخوفهم على أنفسهم) انتهى كلامه.

وقال القرطبي رحمه الله: (إن قرنه صلى الله عليه وسلم إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسّكوا به وصبروا على طاعة ربهم، في حين ظهور الشر والفسق والهرَج والمعاصي والكبائر، كانوا عند ذلك أيضًا غرباء وزكت أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، ومما يشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام؛"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء") انتهى كلامه.

وأعظم ما تكون غربة الإسلام وأهله القائمين به علمًا وعملًا، دعوة وجهادًا، إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} .

فهولاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفي عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم، لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد، ومع هذا، فطوبي لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله، فإن إظهاره، والأمر به، والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان) انتهى كلامه.

وقال شمس الحق آبادي رحمه الله: (فطوبى للغرباء من أمتي، يريد المنفردين عن أهل زمانهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت