وقد وصف الشارع هؤلاء الغرباء بجملة من الأوصاف، منها؛ أنهم نزاع الناس، أو النزاع من القبائل، والنزاع جمع نزيع ونازع، وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، والنزائع من الإبل الغراب.
قال الهروي رحمه الله: (أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى) انتهى كلامه.
وجاء في وصف الغرباء؛ أنهم الفرارون بدينهم، أو الذين يفرون بدينهم من الفتن، وأنهم أناسٌ صالحون قليل في أناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وأنهم الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأنهم الذين يتمسكون بكتاب الله حين يترك ويعملون بالسنة حين تُطفى، وأنهم الذين يحييون ما أمات الناس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأوصاف المختلفة من النبي صلى الله عليه وسلم للغرباء، وإن كانت تظهر من جهة عظم الدور الذي يقوم به هؤلاء الغرباء في أزمنة الغربة بالقيام بأمر الله والثبات عليه، فإنها من جهة أخرى تظهر عِظم غربة هؤلاء وشدّتها، وعظم صبرهم عليها.
وقد نُقل عن سيد العُباد بعد الصحابة؛ أويس القرني، أنه قال: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا، نأمرُهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون في ذلك أعوانًا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه) .
فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأوّل قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حتى مدّت البدع أعناقها فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مِصداق الحديث الصحيح - كما بيّن ذلك الشاطبي رحمه الله -
فقد ذكر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن غربة القائمين بأمر الله، الثابتين عليه، قد تشتد وتستحكم إلى أن يصبح حال هؤلاء الغرباء كحال القابض على الجمر.
فعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل القبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله) ، قالوا يا رسول الله: أجر خمسين منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أجر خمسين منكم) .
وفي تشبيهه صلى الله عليه وسلم المتمسك بدينه الصابر عليه، بالقابض على الجمر، دلالات هامة، منها ...