فهرس الكتاب

الصفحة 940 من 943

قال ابن القيم: (فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرةً في دينه وفقهًا في سنة رسوله وفهمًا في كتابه وأراه مالناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكّبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح في ما هم عليه، فهنالك تقوم قيامتهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويجلبون عيه بخيل كبيرهم ورجله) انتهى كلامه.

ومن ثم؛ فمن رغب أن يكون من أهل الطائفة المنصورة، وسط هذه الغربة الحالكة بحيث يكون - كما قال ابن القيم رحمه الله - رأسًا في ذلك، يحتاج أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وهمه، غير مقهور تحت سلطان تخيّله، زاهدًا في كل ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما توجه إليه، عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه، مقدام الهمّة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم، ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائلٍ مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائمًا بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزّه المعارضات، شعاره الصبر وراحته التعب.

ومما يدفع به أهلُ الطائفة المنصورة فتنة ضغط الواقع أو فتنة الغربة؛ استعلاء الإيمان، حيث تمتلئ صدورهم ونفوسهم بالعزة التي جعلها الله لأهل دينه دون غيرهم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ، وقال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، فالعزة كُلها لله وحده وليس لمن حادّ الله ورسوله ودينه فيها أدنى نصيب، وإن ملكوا أسباب السماء والأرض.

وقد قال تعالى في صفة أولياءه القائمين بدينه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

فهم ينضحون بالعزة في وجه أعداء الدين وإن كانت لهم الغلَبة، وإن كان لهم السلطان المادي، إذ العزة بالإسلام لا بغيره، وفي مقابل وصف أهل الإيمان بالعزة، قال تعالى في حق المحادّين له ولرسوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يُعلى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت