فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 943

وللحديث قصة ذات دلالة هامّة؛ فعن عائذ بن عمرو أنه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حوله أصحابه، فقالوا هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلى) ، فمجرّد تقديم اسم الكافر على اسم المسلم منافٍ لعلو الإسلام، بل مجرد العلو المكاني لا ينبغي أن يكون لغير أهل الإسلام.

وإن كانت الدولة والجولة لأعدائهم، ففي غزوة أحد وبعد أن دارت الدائرة على المسلمين، علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنهم لا ينبغي لهم أن يعلونا) ، فقاتل عمر بن الخطاب ورهطُ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل.

ومن اللطائف ما جاء في تفسير قوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الغم الأول بسبب الهزيمة وحين قيل قتل محمد صلى اللّه عليه وسلم، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم؛"اللهم ليس لهم أن يعلونا") .

فمجرد علو الكفار المكاني على المسلمين، رغم كون الهزيمة من نصيبهم، والدائرة عليهم مما يصيبهم بالهم والغم، فالمسلم الحق تمتلئ نفسه وتفيض بكل معاني العلو المطلق، بما خصه الله تعالى وشرّفه به دون سائر خلقه، وإن كان في أبعد حالاته عن النصر والتمكين، وهذا ما ترسخ في نفوس الصحابة رضي الله عنهم.

فعن طارق بن شهاب، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا! تخلع خفيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك) ، فقال عمر رضي الله عنه: (أوّه، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إنّا كنّا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) .

وقد خاطب الله تعالى المؤمنين، عند الحديث عما نزل بهم من البلاء، وما جرى لهم من إدالة عدوهم منهم، فقال تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت