فهرس الكتاب
حديثي"محمد بن مسلمة"و"الحجاج بن علاط"
[الكاتب: أبو محمد المقدسي]
الأخ أبو محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك مسألة حيرتني كثيرا وهي خاصة بحديث (محمد بن مسلمة) رضي الله عنه لما أراد قتل (كعب بن الأشرف) ، وحديث (الحجاج بن علاط) لما أراد أن يحوز ماله من المشركين، فإن هذين الحديثين اتفقا على أوصاف أربع: الأول: أنهما قالا الكفر، فمحمد رضي الله عنه قدح بالنبي صلى الله عليه وسلم أمام كعب بن الأشرف، والحجاج أظهر السرور بهزيمة المسلمين وانتصار المشركين. الثاني: أنهما قالا ذلك بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: أن هذه مصلحة ظاهرة (الأول لقتل عدو الله ورسوله) والثاني لاستحواذ ماله من المشركين. الرابع: أن وقت التلبس بهذا الكفر كان قصيرا. فالسؤال: متى يجوز للمسلم أن يفعل كفعلهم هذا؟ بمعنى آخر: هل مثل فعلهم هذا يكون عذرا للتلبس بالكفر؟ بمعنى آخر: العذر الوحيد للكفر هو الإكراه فقط كما صرح بذلك عدد من العلماء، فهل يدخل مثل هذا في العذر؟ بمعنى آخر: أنا أعلم أولا أنه لا يجوز التلبس بالكفر طويلا من أجل مثل هذه المصالح لأن الأصل أن من تلبس بالكفر يكون كافرا، وهذه الأحاديث أتت خلاف ذلك الأصل فلا يتجاوز بها محلها، ولكن متى وما الصور التي يعمل بها في مثل هذه الأحاديث؟ وهل يقاس عليها فيقال: إذا جاز فعل الكفر فالمعصية من باب أولى (كحلق اللحية مثلا) . أرجو أن أجد الإجابة الشافية. وسلامي عليكم مرة أخرى ورحمة الله وبركاته.
الجواب
أخي الفاضل .. السلام عليكم .. وبعد .. قولك ( .. هذان الحديثان اتفقا على أوصاف أربع: الأول: أنهما قالا الكفر، فمحمد رضي الله عنه قدح بالنبي صلى الله عليه وسلم ... الخ) مقدمة غير صحيحة، ومن ثم لا يصح ما بني عليها من جواز فعل الكفر للمصلحة، فإن ما قاله محمد بن مسلمة ليس بقدح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فالثابت أنه قال: (إنّ هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنّانا) ، فهذا ليس بقدح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو رجل كما أن سائر الأنبياء رجال، قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم) . وكونه صلى الله عليه وسلم أراد منهم فريضة الصدقة، فهذا حق محض، وهي مما عنانا الله به، أي كلفنا به مع سائر التكاليف، ووصف التكاليف بذلك ليس بكفر فإن في التكاليف ما فيه عناء ومشقة يكرهها الإنسان كما قال تعالى (كُتب عليكم القتال وهو كره لكم) . ومثل ذلك حديث الحجّاج ليس فيه كفرًا صريحًا. ومن ثم نقول، كما نقلت عن العلماء بأنه لا يجوز إظهار الكفر إلا في الإكراه الحقيقي مع اطمئنان القلب بالإيمان، أما إظهاره لأجل المصلحة أو نحوها من الأعذار التي يتعذر بها الناس فلا يحل بحال .. وقد بينا ذلك في رسالتنا ( [ link=topic.php?topicid=143] القول النفيس في التحذير من خديعة إبليس [/ link] ) ، ومن ثم فقول القائل أنه يجوز التلبس بالكفر وقتًا قصيرًا، ولا يجوز إذا كان الوقت طويلًا، غير صحيح، إضافة إلى أنه يُقال ما الضابط الشرعي لتحديد قصر الوقت غير المكفر؟ من طوله المكفّر .. ؟ هذا قطعًا مما لم ينزل الله به سلطانًا، وما يُدريه لعلّ الله يقبضه في ذلك