فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 1052

في الوجود هي الشرك والكفر بالله كما قد أخبر تعالى بقوله: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) )وفي الحديث الذي يرويه البخاري وغيره سئل النبي صلى الله عليه وسلم (أي الذنب أعظم عند الله؟ فقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك) .. فقوله تعالى (( الفتنة أكبر من القتل ) )تعني كما يدل عليه سبب نزولها أن فتنة المسلم عن دينه ورده عن توحيد الله إلى ظلمات الشرك والتنديد سواء بتعبيده للأوثان الحجرية أم بتعبيده للأوثان العصرية؛ أعظم وأكبر عند الله من مفسدة وكبيرة سفك الدماء في الشهر الحرام .. وهذا أمر بدهي في ديننا عند من يعرف خطر الشرك، ولكن المصيبة إذا قصر البعض معنى الشرك وحجّره على شرك القبور وأغفل منه شرك الدساتير والقوانين والقصور؛ فلا شك أن فتاواه وموازينه ستضطرب عندها .. لأنه سينظر إلى كثير من طواغيت الحكام على أنهم حكام مسلمون ليسو بكافرين لكنهم ظالمون على أشد الأحوال؛ وسيقايس أحوالهم بأحوال بني أمية وبني العباس وسينزل أقاويل الأئمة في أولئك الخلفاء على هؤلاء الخوالف من الطواغيت؛ ومن ثم فمن البدهي أن يرى بهذا القياس الفاسد والنظر الزائغ أن فتنة سفك الدماء أعظم من الظلم والفسق الذي هو أعظم وصف لجرائم هؤلاء الحكام عنده!! فإن فساد الفروع نتيجة حتمية عن فساد الأصول؛ وما ينتج من ضلال عن هذه الأفهام السقيمة لا يجوز السكوت عنه أو تبريره وتمريره وتسويغه بدعاوى حسن النية وطيب القصد؛ فليس الخلاف في ذلك ونحن لم نطعن قط في نوايا هؤلاء المشايخ ولا تعرضنا لمفاصدهم القلبية أو لخفايا نفوسهم أو زعمنا فساد إراداتهم أودوافعهم القلبية؛ بل على العكس فنحن نصرح دوما بأن المتتبع لحال هؤلاء المشايخ يعرف زهدهم في الدنيا وعدم حرصهم عليها مع كونها كانت مبذولة لهم ميسرة بين أيديهم؛ وأنا أعرف هذا وأتكلم فيه عن معرفة بأحوالهم؛ فأنا لم أكن بعيدا عنهم في أول التوجه والطلب فقد حضرت كثيرا من مجالسهم ودروسهم شأني في ذلك كشأن أكثر من نشأ في هذا العصر نشأة سلفية فمكثت مدة في عنيزة وحضرت كثيرا من دروس الشيخ ابن عثيمين واطلعت عن قرب على أحواله وزهده وإنفاقه وكذا الشيخ ابن باز فقد حضرت كثيرا من مجالسه في بيته وفي غير بيته ولم تمنعنا مخالفتهم في فتاواهم المتعلقة في طواغيت الحكام وما إلى ذلك من الشهادة لهؤلاء المشايخ بالزهد في الدنيا بل والعلم في أكثر أبواب الدين وكذا الانفاق ومساعدة الناس والحرص على الخير للمسلمين فليس هذا موضع خلاف عندنا كما أننا لم نتكلم قط على النوايا ولا تعرضنا لما في الصدور؛ فهذا نكله لمن يعلم السر وأخفى سبحانه وتعالى وإنما كلامنا دوما منحصر فيما يظهر لنا من أعمال أو فتاوى وأقوال؛ وهكذا أمرنا في أحكام الدنيا؛ نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويهيء لهم العلماء الربانيين الذين يقودونهم في ساحات العز والجهاد ..

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت