فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 208

تُسْرِفُوا [1] ، فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض، أعني عدم الأكل والشرب، أو الإسراف فيهما.

فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين، ولا ريب أن البدن دائمًا في التحلل والاستخلاف، وكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء مادتها، فإن كثرة التحلل تفني الرطوبة، وهي مادة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة، ضعف الهضم، ولا يزال كذلك حتى تنفى الرطوبة، وتنطفئ الحرارة جملة، فيستكمل العبد الأجل الذي كتب الله له أن يصل إليه.

فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره، حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحال، لا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة بهما، فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار، وإنما غاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عن مفسداتها من العفونة وغيرها، ويحمي الحرارة عن مضعفاتها، ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أنه به قامت السماوات والأرض وسائر المخلوقات، ومن تأمل هدي النبي ^ وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب، والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة، والسكون والمنكح، والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة، كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل.

ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق، فحقيق لمن رزق حظًا من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها) [2] أ. هـ.

وإذا تأملنا سنة النبي ^ أيضًا، نجد العناية التامة والاهتمام البالغ بكل ما يتعلق بأحكام الشرب وآدابه، ومن ذلك:

مشروعية التسمية قبل الشرب، فبالتسمية تنزل البركة في الشراب، وتكون حاجزًا بين الشيطان وبين الشارب.

ومن ذلك مشروعية الشرب باليمين، وهو دليل على عناية الإسلام على النظافة والوقاية، وهذا ظاهر لمن تأمله، وليس هذا في الشرب فقط، بل دلت نصوص الشرع على ضرورة تخصيص اليمين للأشياء المستطابة -ومنها الشرب- وتجنيبها الأشياء المستقبحة كالاستنجاء.

ومنها مشروعية تقطيع الشرب على ثلاثة أنفاس، كما جاءت السنة

(1) سورة الأعرف، الآية: 31

(2) ينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 213 - 215)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت