صورة المسألة:
من وقف شيئًا على غيره، كأن أوقف سقاية على المسلمين، فهل له أن ينتفع بالشرب منه مدة حياته أو مدة معلومة؟.
تحرير محل النزاع:
لا يخلو حال الواقف من أمرين:
أولًا: أن لا يشترط الانتفاع من الوقف، وهذا لا خلاف في جوازه عند عامة أهل العلم [1] ، ويدل لذلك حديث عثمان -رضي الله عنه- أنه قال: (أن النبي ^ قدم المدينة وليس بما ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: =من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟ + قال: فاشترتيها من صلب مالي) [2]
ثانيًا: أن يشترط الانتفاع من الوقف، ففي صحة هذا الوقف خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
صحة الوقف والشرط، وبه قال أبو يوسف وهو المختار عند الحنفية [3] ، والمذهب عند الحنابلة [4] ، ووجه في مذهب الشافعية [5] .
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
حديث ابن عمر -رضي الله عنه- قال: (أصاب عمر بخيبر أرضًا , فأتى النبي ^ فقال:(أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه, فكيف تأمرني به؟) , قال: =إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها+ , فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب, ولا يورث, في الفقراء والقربى, والرقاب, وفي سبيل الله, والضيف, وابن السبيل, لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف, أو يطعم غير متمول فيه ... ) [6]
وجه الاستدلال:
أنه شرط لمن وليها أن يأكل بالمعروف, وكان الوقف في يده حتى
(1) ينظر: أسنى المطالب (2/ 460) ، طرح التثريب للعراقي (5/ 147) ، المغني لابن قدامة (5/ 352) ، إعلام الموقعين لابن القيم (3/ 373) ، نيل الأوطار للشوكاني (6/ 31) .
(2) أخرجه الترمذي في سننه: باب (في مناقب عثمان رضي الله عنه) ص 842 رقم الحديث (3703) وقال: (حديث حسن) .
(3) ينظر: بدائع الصنائع (6/ 220) ، فتح القدير (6/ 226) ، البحر الرائق (5/ 237) .
(4) ينظر: الهداية لأبي الخطاب (1/ 208) ، المقنع (16/ 388) ، شرح الزركشي (4/ 276) .
(5) ينظر: المهذب (1/ 576) ، العزيز شرح الوجيز (6/ 257) ، روضة الطالبين (5/ 318) .
(6) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب (الشروط) ، باب (الشروط في الوقف) ، ص 451 رقم الحديث (2737) ، ومسلم في صحيحه: كتاب (الوصية) ، باب (الوقف) ، ص 716 رقم الحديث (4224) .