المبحث الثاني
اهتمام الشريعة بأحكام الشرب
لقد اختار الله لنا دين الإسلام، وارتضاه، وجعله خاتم الأديان، فلا يقبل من أحد دين سواه، حيث قال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [1] وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [2] .
وهو دين مليء بالمحاسن، بل كله محاسن، فما من أمر من الأمور فيه خير لنا في الدنيا والآخرة إلا وحثنا عليه، وما من أمر فيه شر لنا في الدنيا والآخرة إلا وحذرنا منه، فجاءت جميع أحكامه لمصلحة البشر جميعًا.
وفي هذا الدين تنظيم لجميع نواحي الحياة، ومن نواحي الحياة تنظيم سلوك الفرد، ويدخل في سلوكه الاهتمام بمأكله ومشربه وملبسه، ولقد وضعت الشريعة قواعد عامة مهمة في أحكام الشرب وآدابه، ومن ذلك، ما نجده في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [3] ، وسر ذلك ما يعبر عنه الأطباء، وبخاصة في القديم بالحرارة والرطوبة في الجسم، ويشرح ذلك لنا ابن القيم بقوله: (لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة للحرارة، فالرطوبة مادته، والحرارة تنضجها، وتدفع فضلاتها، وتصلحها، وتلطفها، وإلا أفسدت البدن، ولم يمكن قيامه، وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة، فلولا الرطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته، فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها، وقوام البدن بهما جميعًا، وكل منهما مادة للأخرى، فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة، والرطوبة مادة للحرارة تغذيها وتحملها، ومتى مالت إحداهما إلى الزيادة على الأخرى، حصل لمزاج البدن والانحراف بحسب ذلك، فالحرارة دائمًا تحلل الرطوبة، فيحتاج البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة -لضرورة بقائه- وهو الطعام والشراب، ومتى زاد على مقدار التحلل، ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، فاستحالت مواد رديئة، فعاثت في البدن وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها، وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا
(1) سورة آل عمران، الآية: 19
(2) سورة آل عمران، الآية: 85
(3) سورة الأعراف، الآية: 31