قد تطرأ للقاضي حالات تشوش عليه فكره, وتحجب عنه الرؤية الصحيحة للحكم, فلا يميز بين الصواب والخطأ, وتؤدي به إلى أن يحكم بغير الحق، ومن تلك الحالات العطش الشديد.
والأصل في تفرغ القاضي أثناء قضائه عن كل ما يشغله ويؤثر سلبًا على سلامة الحكم ما رواه أبو بكرة [1] -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله ^ يقول: =لا يقضينّ حَكَم بين اثنين وهو غضبان+ [2] ،وقوله ^: =لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان + [3] .
وكتب عمر -رضي الله عنه- كتابًا إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- بين له كثيرًا من أمور القضاء, ومماجاء فيه: (وإياك والقلق والضجر, والتأذي بالناس ... ) [4] .
وإذا كان الرسول ^ منع المسلم وحظر عليه أن يصلي إذا نعس خشية أن يخطئ في الصلاة كما قال ^: =إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس فلا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه+ [5]
فإن منع القاضي من القضاء وهو في حالة عطش شديد حتى لا يخطئ في الحكم أمر متوجه ومرغوب وهو من باب أولى لتعلقه بحقوق الآدميين.
وقد شدد الفقهاء على القضاة أن يجتنبوا القضاء في الأحوال التي
(1) أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث بن كلدة، أبو بكرة الثقفي، صحابي، من أهل الطائف، وهو ممن اعتزل الفتنة يوم الجمل وصفين، روى عن النبي ^ وروى عنه أولاده. توفي سنة (52 هـ) .
لترجمته ينظر: الإصابة (3/ 571) ، أسد الغابة (5/ 38) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب (الأحكام) ، باب (هل يقضي القاضي وهو غضبان) ، ص 1231 رقم الحديث (6739) . ومسلم في صحيحه: كتاب (الأقضية) ، باب (كراهة قضاء القاضي وهو غضبان) ، ص 762 رقم الحديث (4465) .
(3) أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 260) , السنن الكبرى (10/ 106) رقم الحديث (20069) ، وقال: (تفرد به القاسم العمرى وهو ضعيف) . وأخرجه أيضًا الطبرانى في الأوسط (5/ 36) ، رقم الحديث (4603) ، قال الهيثمى (4/ 195) : (فيه القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك كذاب) .وقال الألباني في القاسم العمري: (إن الرجل متفق على تركه) ، ينظر: السلسلة الضعيفة رقم الحديث (6209) ، فالحديث أقل أحواله أنه ضعيف.
(4) أخرجه الدار قطني في سننه: كتاب (الأقضية والأحكام) ، باب (كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري) . (4/ 207) .
(5) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب (الوضوء) ، باب (الوضوء من النوم ولم ير من النعسة) ، ص 212 رقم الحديث (209) ، ومسلم في صحيحه: كتاب (صلاة المسافرين وقصرها) ، باب (أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن) ، ص 319 رقم الحديث (1835) .