فهرس الكتاب
ولما لم تكن الأعمال علة موجبة لدخول الجنة صحت قضيتنا: (إدخال المطيع الجنة ليس بواجب على الله تعالى) وكانت مأخوذة من الشرع. والحديث قد نفى كون الطاعة علة موجبة لدخول الجنة، فقيس عليه نفي كون المعصية علة موجبة لدخول النار فصحت قضيتنا (إدخال العاصي النار ليس بواجب على الله تعالى) من طريق الشرع أيضًا.
ثم لنا من الشرع طريق آخر، وهو ثبوت الاختيار له تعالى: { يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ } ، و { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } ، وهذا يستلزم انتفاء وجوب شيء عليه جل وعلا مطلقًا، المستلزم لصحة قضيتينا في العاصي والمطيع. وقد مر بك أن الأحكام العقلية ثلاثة حصرًا، فنفي الوجوب إثبات للإمكان أو الاستحالة. ولأنه لا يستحيل دخول المطيع للجنة والعاصي للنار اتفاقًا، فبقي الجواز. ولا يخفى أن القول بجواز دخول المطيع الجنة والعاصي النار تجويز لنقيض ذلك أي لدخول المطيع النار والعاصي الجنة. فإن قيل نقيضها عدم دخول الجنة، لا دخول النار قلنا إن كل إنسان فمآله للجنة أو للنار لقوله تعالى: { وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } ، فصارت الجنة والنار بمنزلة النقيضين حال كونهما ضدين لا يرتفعان عن القابل لهما في مآل يوم القيامة. والله تعالى أعلم. فتأمل.