فهرس الكتاب
وأما قوله تعالى: { ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ، وقوله { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث؛ بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والله أعلم.) اهـ كلامه.
أقول: إن الأشعرية لم يأتوا بهذا القول بدعًا أو عن هوى، بل هو مستنبط من الحديث الشريف، إذ بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العمل الصالح ليس علة موجبة لدخول الجنة. وهذا يفهم أيضًا من قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، وقوله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فكانت العبادة مظنة ورجاء التقوى، والتقوى مظنة ورجاء الرحمة لأن لعل كلمة لا تفيد اليقين بل هي كلمة شك، والمراد من الآية الحث على العمل وتأميل العبد بالرحمة عند اتقائه وعمله بإخلاص، ولو كان التقوى والعمل موجبان للرحمة لكان التعبير بما يفيد ثبوت الثواب لا الشك فيه. فالمطلوب إتقان العمل وطلب السداد أي الصواب وهو بين الإفراط والتفريط قاله النووي، فلا تغلوا ولا تقصروا. وعند العجز فالمطلوب المقاربة أي الاقتراب من الصواب قدر الوسع. ثم إن الله سبحانه { لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، فنعمل وسعنا ونحسن الظن بالله، وحسن الظن من حسن العمل كما ذكره علماؤنا، ونرجو رحمة الله تعالى.