فهرس الكتاب
وهذا ما أشار إليه النووي بقوله: (ولكن الله أخبر وخبره الصدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم في النار عدلًا منه) . وهذا حقيقة قول أهل السنة.
ولنحرر الآن المقصود من قول أئمة أهل السنة بأنه لا يجب على الله شيء. إن (لا) هنا أداة للنفي. و (يجب) أي فعله عقلًا، وقد عرفنا معنى الوجوب العقلي، فيصير المراد من (يجب) ما لا يتصور العقل من الله عدم فعله (أي إيجاده أو إعدامه) ، أو ما لا ينفك العقل عن تصور أن الله لا محالة فاعله. و (الله) سبحانه وتعالى علم على الذات الواجب الوجود المتصف بجميع صفات الكمال والمسلوب عنه كل نقص وعيب، والذي لا مستغنيَ عن كل ما سواه ومحتاج إليه كل ما عداه إلا هو سبحانه وتعالى. و (الشيء) لغة هو ما يصح أن يُعلم ويخبر عنه فيشمل الموجود والمعدوم، ممكنًا كان أو محالًا. واصطلاحًا هو الموجود خارجيًا كان أو ذهنيًا، قديمًا أو حادثًا. [1] [1] ولكن لما كان الكلام في أفعال الله سبحانه وتعالى، كانت هذه القرينة مخصصة لعموم كلمة شيء، وقاصرة إياها على الجائزات العقلية فحسب. لأن المستحيل غير قابل للوجود لذاته فلا تعلق لقدرة الله سبحانه به إيجاداَ وإعدامًا. وأما الواجب أي واجب الوجود، فليس هناك ما هو واجب الوجود إلا الله سبحانه المتصف بصفات الكمال؛ ولما كان من شأن الله سبحانه الإيجاد والإعدام بقدرته، فإن هذه القدرة لو جاز تعلقها بالواجب على وجه الإيجاد لزم تحصيل الحاصل (أعني إيجاد الموجود) ، وهو محال. ولو جاز تعلق القدرة بالواجب على وجه الإعدام لزم إعدام الواجب كيف وهو الذي لا يتصور في العقل عدمه، هذا خلف؛ أو لزم انقلاب الواجب لذاته جائزًا وكلاهما محالان أيضًا.
(1) 1- راجع الكليات لأبي البقاء الكفوي ص525، ط 2 مؤسسة الرسالة