فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 116

الطعام والشراب والأدوية، ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى، فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر، ولا ينفك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده، وفي تقريبه من الله، أو إبعاده، فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده، فقد عاد إلى ما كان، فلم يكن له ولا عليه، وإن كان الفعل مما يقربه شبرين، والآخر يبعده شبرا واحدا، فضل له لا محالة شبر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا" (1) ، فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقبيه، فإذا اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة.

"ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة، صح حجه، وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، نعم يمكن أن يقال: إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة، وتجارته غير موقوفة عليه، فهو خالص، وإنما المشترك طول المسافة، ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة، ولكن الصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالمعين والتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، وما عندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم، وبين جهة لا غنيمة فيها، ويبعد أن يقال: إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم. بل العدل أن يقال: إذا كان الباعث الأصلي، والمزعج القوي، هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة."

فإن قلت: فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب، وفي معناه شوب طلب الغنيمة، والتجارة، وسائر الحظوظ، فقد روى طاوس (2)

(1) رواه الترمذي عن أبي ذر، وقال: حديث حسن، وهو من أحاديث الأربعين النووية.

(2) حديث طاوس وعدة من التابعين أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن يصطنع المعروف، أو قال: يتصدق، فيحب أن يحمد ويؤجر، فنزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ... } الآية [الكهف: 110] ابن أبي الدنيا في كتاب السنة، والحاكم نحوه من رواية طاوس مرسلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت