وغيره من التابعين، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن يصطنع المعروف، أو قال: يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وقد قصد الأجر والحمد جميعا، وروى معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"أدنى الرياء شرك" (1) ، وقال أبو هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يقال لمن أشرك في عمله: خذ أجرك ممن عملت له" (2) .
"وروى عن عبادة، أن الله عز وجل يقول:"أنا أغنى الأغنياء عن الشركة، من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي". وروى أبو موسى أن أعرابيا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه: من في سبيل الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (3) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تقولون فلان شهيد، ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا (أي دراهم) . وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له" (4) ."
"فنقول: هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه، بل المراد بها: من لم يرد بذلك إلا الدنيا، كقوله:"من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا"وكان ذلك هو الأغلب على همه، وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان، لا لأن طلب الدنيا حرام، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام، لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن"
(1) حديث معاذ: أدنى الرياء شرك، الطبراني والحاكم، وتقدم.
(2) حديث أبي هريرة: يقال لمن أشرك في عمله: خذ أجرك ممن عملت له، تقدم من حديث محمود بن لبيد، وفي رواية مالك في الموطأ: فهو له كله.
(3) متفق عليه، وتقدم.
(4) رواه سعيد بن منصور في سننه، والطبراني من طريقه، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (2/ 10) وقال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح على شرط الشيخين.