خذلانٍ وإرجافٍ في ساعات الشدّة، لكنه نفاق لا يقطع (بحسب الظاهر) باستبطانهم الكفرَ، ولذلك لم يَحكُم - صلى الله عليه وسلم - بكفرهم ولم يستتبهم منه. لكنهم باجتماعهم على هذا النفاق العملي، وبتأييد بعضهم بعضا عليه، وباتحاد صفّهم في المواقف: أصبحوا يمثلون جبهة معارضة (بالتعريف العصري) . ومع ذلك اتسعت الدولة الإسلامية لهم، وحفظت لهم حقًّا في الاختلاف، ما داموا لم يأتوا ما يُوجِبُ عقوبةً وحدًّا، وإنما أَتَوا ما يدّعون أنه خلافُ رأيٍ وتَعَدُّدُ وجهاتِ نظر.
وحقُّ الاختلاف هذا الذي حَظِيَ به المنافقون هو حقٌّ لا يعني تصويبًا لموقفهم، ولا تسويغًا لخلافهم، بل لا يعني سكوتًا عن إنكار رأيهم أشد الإنكار، إذا كانت أدلة بُطلانه أدلةً قطعية، ولكنه:
= يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، مع أنهم ارتدوا ولم يرجعوا عن إظهار توبتهم، فهو توهم باطل؛ لأن المنافقين كانوا إذا شُهد عليهم بما يوجب التكفيرَ، بادروا بادعاء التوبة أو بالإنكار القائم مقام التوبة. لذلك كان قتلهم بعد ذلك سببا لا تهام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يقتل أصحابه؛ بسبب ادعائهم التوبة أو بسبب إنكارهم.
وليس هذا موطن تقرير ذلك ومناقشته، لكني اكتفيتُ هنا بالإلماح إلى الإشكال وإلى جوابه.