وقد جاء هذا صريحًا في كلام المنافقين أنفسهم، وأنهم إنما أظهروا الإسلام سُخريةً بالمسلمين، وما زعموا هم أنفسهم أن نفاقهم كان بسبب الإكراه، فقد قال تعالى مخبرًا عن قِيْلِهم هذا: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] (1) .
كما قد أخبرنا الله تعالى عن أحد أهدافهم المَخفِية التي كانت سببَ اتخاذهم قرار النفاق، فتبيّنَ أنه هدفٌ لا علاقة له بالإكراه وقمعِ الحريات، بل هو هدف متعلِّقٌ بتمكنهم من خلال النفاق أن ينشروا الفتن والإفساد في المجتمع المسلم: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 47 - 48] ، ولذلك كان المنافقون يناصرون الكفار
(1) قال ابن جرير في تفسيره: «وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وبما جاء به ومعاداته ومعاداة أتباعه، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في قيلنا لهم إذا لقيناهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} » . (1/ 311) .