ممارسة هذه الحرية، لا على أنها بلاءٌ لا بد منه، بل على أنها نعمة مقدسة لا بدّ من صونها!
ففي ملحظٍ آخر نلحظه في السيرة النبوية وفي علاقة الحاكم بالمحكوم وفي علاقة القيادة الدينية بأفراد المجتمع النبوي: يأتي تشريع إلهي قطعي، كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهم معالم علاقة الدولة بالشعب ومن أوضح المظاهر السياسية للمجتمع المدني في زمن النبوة: ألا وهو تشريع الشُّورى في الإسلام، وذلك في قوله تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى:38] ، وقوله تعالى مخاطبًا نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
ففي الآية الأولى يذكر الله تعالى أهم ما يتصف به المؤمنون، فذكر التشاور فيما بينهم صفةً بين إقامتهم للصلاة وأدائهم للزكاة، بين ركنَيِ الإسلام اللذين لا يفترقان!! ولا معنى للتشاور إلا مع قبول الاختلاف، ومع تشجيع إبداء الرأي المخالفِ.