وهذا يعني: أن الخلل في التعامل مع المحكمات يؤدي إلى فساد في الفكر، وإلى مخالفة فطرة العقل، ولا يظهر هذا الخللُ في أسلوب التفكير حتى يطردَ، وحتى تكونَ نتيجته فسادًا فكريًّا كاملا، بأن يُصاب صاحبُه بالشك المطلق وعدم معرفة شيء. وهذا بخلاف التعامل مع المشتبهات؛ فإن الخطأ في فهمها أو عدم فهمها يؤدي إلى فساد جزئي في تلك المسألة، ولا يصل إلى درجة الفساد الكلي.
وعلى هذا فمن لوازم كون المحكمات أصلا: أن يكون رجوعُ الفرع إليها، وليس العكس. وهذا ما ذكرته الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] ، فوصف المحكمات بأنها الأصل يُلزم بأن يكون مرجع الفرع إليها، وكل ما سوى الأصل فهو فرع. وعلى هذا: فالمشتبهات أعلى ما قد تبلغه أن تكون فروعًا عن الأصول المحكمات، ولذلك وَجَبَ إرجاعُ المشتبهات إلى أصولها من المحكمات.