فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 174

ولذلك عاب الله تعالى من يحتجّون بالمشتبهات وذمّهم بأنهم: {فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ، وأنهم: {يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} . ذلك لأنهم جعلوا الفرع أصلا، ولم يُرجعوه إلى الأصل.

وبذلك يتضح بأن هذه الآية الجليلة قد أرشدت إلى المنهج العقلي الصحيح في الموقف من المحكمات والمشتبهات، وهو بأن لا تستقلَّ المشتبهات بالفهم والاحتجاج، بل لا بد من إرجاعها إلى المحكمات، لنضبط فهمنا بما لا يتناقض مع الأصول الكلية من المحكمات.

فإن اختلَّ هذا المنهج، بأن استقلّت المشتبهات بالاستنباط والفهم، أو أُعيدت المحكمات إلى المشتبهات، وجُعلت الفروعُ أصولا، وزال (في نظر من فعل ذلك) عن المحكمات إحكامُها، وزادت المشتبهات اشتباها. وكان فاعل ذلك كمن جعل الدليل مدلولا، والمدلول دليلا، فلا بقي عنده الدليل دليلا، ولا استطاع إثباتَ المدلول. وهذا هو سبب الزيغ والفتنة والتحريف، وهذه هي الأدواء التي ذكرتها الآيةُ في أسباب ونتائج هذا المنهج المختل في التعامل مع المحكمات والمشتبهات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت