ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : «يحملون المحكمَ على المتشابهِ، والمتشابهَ على المحكم، ويُلَبِّسونَ، فَلبّسَ الله عليهم» (1) .
وما أحسن الحكمة القائلة:
وليس يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ ÷ إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
فقد بيّنَ هذا البيتُ الحكيمُ أن الخلل في يقينيٍّ واحد يكون باطراده سببًا لعدم صحة كل يقيني آخر، فضلا عن إخلال هذا المنهج بالأدلة التي ترجع إلى غلبة الظن والرُّجحان .. من باب أَولى، فالخللُ الذي بلغ من قوة إفساده أنه أفسدَ اليقينَ سيكون بالظن الراجح أشدَّ إفسادًا، فلا يبقى حينئذٍ دليلٌ يُستنارُ به، ولا يصحُّ في الذهن برهانٌ: لا يقينيٌّ ولا ظني!
ومن أمثلة هذا الخلل: ما وقع للإمام الغزالي (ت 505 هـ) من الوقوع في شَراك الشكِّ والسفسطة، حتى شكَّ في المُحَسّات والضروريات (1) ، قبل أن
(1) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (5/ 204) ، وابن المنذر في تفسيره رقم [231] ، وابن أبي حاتم في تفسيره رقم [3185] ، من نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي نسخة صحيحة.