ولقد عجز موسى - عليه السلام - فعلا عن تحمّل ذلك القدر من التسليم، وفي المرات الثلاث كلها، حتى قال له الخضرُ في المرة الأولى: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72] ، وقال له في مرة عَجزِه الثانية: {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 75] ، فاعتذر له موسى - عليه السلام - بقوله: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] ، فلما عجز موسى - عليه السلام - عن تحمل التسليم الذي كان يطالبه به الخضر في المرة الثالثة، قال له الخضر - عليه السلام: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78] . إنها نهاية تدل على أن التسليم المطلق، والذي يعارض الظاهرَ المعلوم، ليس أمرًا سهلا أبدًا، بل هو من أصعب الأمور.
والخلاصة: أن هذه القصة لا شك أنها قد دلت دلالةً واضحة على صعوبة التسليم المطلق، وأنه يجب علينا أن نُخفِّفَ على الناس في هذا التسليم بعلمٍ ودليلٍ .. على أقصى القدرة والإمكان، فهذا من أوجب الواجبات على العلماء والمفكرين.