قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [1] قال الزبير بن العوَّام: (ما كنا نرى أن أحدًا منّا يقعُ فيها فإذا نحنُ الذين أُصِبنا بها) [2] ، وقال ابنُ عباس: (هذه الآية في أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - خاصَّة) [3] وخطبَ أبو بكر الصديق الناس فقال:"يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأوّلونها على غير تأويلها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" [4] . وروت عائشة رضي الله عنها في حديث الجيش الذي يخسف به في البيداء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يعمهم العقاب ثم يحشر كل أحد على نيته) [5] وبين ظاهر الأحاديث تعارض والذي يضم نشره أن الأدلة القاطعة قد قامت على أن أحدًا لا يعاقب بذنب أحدٍ لا على العموم ولا على الخصوص، ولكن من ذنوب العامة والخاصة: التواطوء بالباطل وترك التناهي عن المنكر وهو الذي عاب الله تعالى على قوم لوطٍ وهو الذي أنكر على بني إسرائيل في قوله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [6] وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض العالمين وخلافة المرسلين ومصلحة الخلق أجمعين وآكد فروض الدين، فإذا ترك عُوْجل الناس بالعقوبة، وقوله {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} الآية، آية مشكلة, لأنّ قوله {إتَّقُوا} أمر، وقوله {لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ} نهي، بدليل دخول النون الثقيلة في فعله فيبقى الأمر بلا جواب، وقد اختلف الناس فيها اختلافًا متباينًا على أقوالٍ:
(1) سورة الأنفال آية (25) .
(2) عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟، فقال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ... لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. مجمع الزوائد 7/ 27 وانظر الفتح الرباني 18/ 151، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد ثم قال: وقد رواه البزار من حديث مطرف عن الزبير وقال: لا نعرف مطرفًا روى عن الزبير غير هذا الحديث. تفسير ابن كثير 2/ 299 ورواه ابن جرير من الطريق الثانية منه من طريق الحسن 13/ 474.
(3) أورده ابن كثير في تفسره 2/ 200 وقال: هذا تفسير حسن وكذلك ابن جرير 13/ 474، والقرطبي 7/ 391.
(4) رواه أحمد 1/ 2 و 5/ 7 وأبو داود (4338) في الملاحم والترمذي (2168) في الفتن وفي (3057) في تفسير سورة المائدة وابن ماجه (4005) ، وصححه ابن حبّان (1837) ، وهو في شرح السنة 14/ 344، والحديث قال فيه الترمذي حسن صحيح وصححه الشيخ ناصر في صحيح ابن ماجه 2/ 368.
(5) متفق عليه أخرجه البخاري في الحج باب ما ذكر في الأسواق 3/ 86 ومسلم في الفتن باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت (2884) .
(6) سورة المائدة آية (79) .