{اصْبِرُوا} [1] فمعناه أحبسوا أنفسكم على الأذى في ذات الله تعالى، وعن الشهوات التي تقطع عن الله تعالى، وأما قوله: {وَصَابِرُوا} فمعناه قابلوا صبر غيركم به. قال الله تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} [2] وقال تعالى: {إنْ يَمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} [3] وأما قوله: {وَرَابِطُوا} فمعناه إذا فعلتم ذلك التزموه فإن الأعمال إِنما هي بالمداومة ومعيارها إنما يظهر عند الخاتمة. فائدة الجهاد: نيل الفضيلة الغنيمة بتحقيق الموعد [4] . أما نيل الفضيلة فقد بدأ به مالك، رضي الله عنه، وقد روي عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل له: يَا رَسُولَ الله، مَا بَالُ النَاسِ يُفْتَنُونَ في قبُورِهِمْ إلَّا الشُّهَدَاء؟ فَقَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السّيُوفِ فِتنَةٌ [5] خرّجه الشعبي [6] وقال: قال رسول الله: (مَنْ قَتَلَهُ أهْل الْكِتَابِ فَلَهُ أجْرُ شَهِيدَيْنِ) [7] وقال: (قَفْلَةٌ كَغَزْوةٍ) [8] فجعل أجر المجاهد في رجوعه كأجره في مسيره [9] ، خرّجه الداودي [10] وعن
(1) سورة آل عمران آية 200.
(2) سورة النساء آية 104.
(3) سورة آل عمران آية 140.
(4) في (ك) و (ص) المواعد ولعل الصواب الوعد.
(5) رواه النسائي 4/ 99 من طريق راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للنسائي، وصحَّحه في الجامع الصغير، انظره مع شرحه، فيض القدير 5/ 4، وكذلك الألباني في صحيح الجامع الصغير 4/ 164، والروداني في جمع الفوائد 2/ 12.
درجة الحديث: صحيح.
(6) هو عامر بن شراحيل .. الشعبي الحميري، أبو عمرو راوية من التابعين يُضرب به المثل بالحفظ. ولد سنة 19 ومات سنة 103 بالكوفة وبها نشأ. الأعلام 4/ 18. ت ت 5/ 65 الوفيات 1/ 244، حلية الأولياء 4/ 310، تذكرة الحفَّاظ للذهبي 1/ 79، تهذيب تاريخ ابن عساكر 7/ 138، تاريخ بغداد 12/ 227.
(7) لم أطَّلع عليه.
(8) أبو داود 2/ 12، والحاكم في المستدرك 2/ 73 وقال: صحيح على شرط مسلم، وكذا قال الذهبي وأحمد. انظر الفتح الرباني 14/ 7، وشرح السنة 11/ 14، كلهم عن عبد الله بن عمرو.
درجة الحديث: صحيح كما قال الحاكم والذهبي.
(9) قال الخطابي: يُحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون أراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن، يقول: إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله كأجره في إقباله إلى الجهاد.
الثاني: أن يكود أراد بذلك التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا وأن لم يلقَ عدوًا.
شرح السنة 11/ 15.
(10) تقدم.