قسَّم للفرس سهمين وللرجل سهمًا من النفل [1] أيضًا، وظنّ مالك، رضي الله عنه، أن ذلك أصل في الشريعة أيضًا، والصحيح أن ذلك كله تنفيل لا تأصيل.
تقدم تعديدهم. أخبر النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن فضلهم بأنه يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك [2] ، وهذا معنى كونه شهيدًا لأنه يأتي بشاهده معه، وعلى هذا أدخله مالك، رضي الله عنه، وأدخل أيضًا قوله لشهداء أحد:"هؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ" [3] ؛ فيكون الأول فعيلًا بمعنى فاعل، ويكون الثاني فعيلًا بمعنى مفعول، وقد تضمَّن حديث أبي قتادة في فضل الشهداء فائدة حسنة وهي أنها تكفِّر كل خطيئة إلا الدين [4] ؛ يعني إلَّا حقوق الآدميين، وذلك أن الله تعالى بفضله يكفِّر جميع الذنوب
= في خالد، رضي الله عنه، وانتهكا حرمة الوالي ومن ولَّاه.
الوجه الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد، رضي الله عنه، للمصلحة في إكرام الأمراء. شرح النووي على مسلم 12/ 64.
(1) ثبت ذلك من حديث ابن عمر عند الشيخين البخاري في الجهاد والسير باب سهام الفرس 4/ 37، ومسلم في الجهاد والسير باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين 2/ 1282، ولفظه: (أَنَّ رَسُولَ الله، - صلى الله عليه وسلم -، جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا) .
(2) متفق عليه. البخاري في كتاب الجهاد باب من يجرح في سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ 4/ 22، ومسلم في الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله 3/ 1496، والموطّأ 2/ 461 كلهم عن أبي هُرَيْرَة ولفظه: (لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ الله، وَالله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلمُ في سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرَّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) .
(3) الموطأ 2/ 461، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ الله أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ .. قال ابن عبد البر: مرسل عند جميع الرواة لكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة، شرح الزرقاني 3/ 37، ويشهد له ما رواه البخاري في غزوة أحُد باب من قتل من المسلمين يوم أحد بسنده إلى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما (.. أَنَّ رَسُولَ اللهِ، - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإذَا أُشِيرَ لَه إلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..) البخاري 6/ 131.
درجة الحديث: صحيح.
(4) الموطأ 2/ 461، ومسلم في كتاب الإمارة باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين 3/ 1501، =