على ذلك كله الآية المحكمة باجماع وهي قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [1] فإن فيه تمام الأجر وحفظ الزمان المعين والمبادرة بالعبادة، فإن قيل: فقد قال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، في قوم صاموا في السفر وقعدوا، وآخرين سقوا واستقوا واطحنوا لهم واعتجنوا"ذهبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأجْرِ" [2] فجعل أجر أهل الفطر في السفر أكثر من الصيام.
قلنا: قد اتفقنا على أن من أفطر في السفر ليس له أجره في الصوم فضلًا عن أن يكون أجره مثل أجر الصائم أو فوقه، وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن أجر الخدمة في السفر والقدرة على العدو أفضل من أجر الصائم لأنه يتقوى لعدوه، ولأنه يحصل له مثل أجر الصائم لخدمته له، قال النبي، - صلى الله عليه وسلم -"مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مثلُ أَجْرِهِ" [3] وكذلك نقول نحن: إن الفطر عند مداناة العدو أفضل.
ثبت عن النبي، - صلى الله عليه وسلم - (أَنَّ رَجُلًا [4] جَاءَ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَينْتفُ شَعْرَهُ وَيقُولُ هَلَكْتُ احْتَرَقْتُ- وفي رواية(هَلَكَ الأبْعَدُ) - فَقَالَ لهُ النبِي، - صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا) [5] الحديث إلى آخره. وثبت عنه أيضًا عن أبي هُرَيْرَة، رضي الله عنه، أن رجلًا
(1) سورة البقرة آية 184.
(2) متفق عليه. البخاري في الجهاد باب الخدمة في الغزو 4/ 42، ومسلم في الصيام باب أجر الفطر في السفر إذا تولى العمل 2/ 788، والنسائي 4/ 182 كلهم من حديث أنس بن مالك.
(3) رواه الترمذي 3/ 171 وقال حسن صحيح من حديث زيد بن خالد الجهني، وأحمد مثل لفظ الترمذي، انظر الفتح الرباني 10/ 10، وابن حبان انظر موارد الظمآن ص 225، وابن ماجه 1/ 555، وابن خزيمة بلفظ (مَنْ جهَّزَ غَازِيًا أَوْ جهزَ حَاجًا أوْ خَلَفَهُ في أَهْلِهِ أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا كان لَه مِثْل أجُورهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا) صحيح ابن خزيمة 3/ 277، ورواه النسائي دون ذكر الحج والصوم 6/ 46، وعبد الرزاق في المصنف 4/ 311.
درجة الحديث: قال فيه الترمذي حسن صحيح، كما صححه الأعظمي في تعليقه على ابن خزيمة.
(4) قال الحافظ في الفتح لم أقف على تسميته إلا أن عبد الغني، في المبهمات، وتبعه ابن بشكوال جزما بأنه سليمان، أو سلمة بن صخر البياضي. وقال وروى ابن عبد البر في التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، هو سليمان ابن صخر. قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا لأن المحفوظ أنه ظاهَرَ من امرأته، وقع عليها في الليل لا أن ذلك كان منه بالنهار. ويحتمل أن يكون قوله، في الرواية المذكورة، وقع على امرأته في رمضان، أي ليلًا، بعد أن ظاهر فلا يكون وهمًا ولا يلزم الاتحاد. فتح الباري 4/ 164.
(5) الموطأ 2/ 297 مرسلًا عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، قال ابن عبد البر: هكذا الحديث عند =