مشروع، وأنه لا ترتيب في غسل الجنابة، فإن قيل فقد وصفت الصحابة غسل النبيِّ، - صلى الله عليه وسلم -، من الجنابة تارة من فعله لمن رآه، وتارة من قوله لمن أفتاه، فذكروه مرتبًا بتقديم الوضوء عليه وصبّ الماء على الرأس وإفاضته على الجسم فليكن ذلك بيانًا للترتيب.
الجواب: وهو [1] فائدة بديعة في أصول الفقه وذلك أن النبيَّ، - صلى الله عليه وسلم -، متى فعل فعلًا بيَّن فيه مجملًا كان بيانه واجبًا، ومتى كان فعله تتميما لحكم معلوم وتفصيلًا لأمر مشروع كان فعله محمولًا على الفضل كقوله. {وَأَقِيمُوا آلصَّلاَةَ} [2] . لما كان هذا قولًا مجملًا أو عامًا فبيّنه النبيُّ، - صلى الله عليه وسلم -، بفعله أو خصصه فوقع ذلك الفصل بيانًا لمشكل فوجب امتثاله.
أما قوله: {أطَهَّرُوا} أو {حتى تغتسلوا} فهو أمر بيِّن في ذاته، واضح في نفسه، فما وقع من الزيادة (عليه فهو [3] بذلك) أجر وفضل يبين ذلك ويوضحه أن النبيَّ، - صلى الله عليه وسلم -، لما أفتى في غسل الجنابة من سأله عن بعض محتملاته فقال:"إِنَّما يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثْيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تَضْغُثِيهِ [4] بِيَدَيْك ثُمَّ تُفِيضِي الْمَاءَ على سَائرِ جَسَدِك فَإِذَا أَنْتَ قَدْ طَهُرْت" [5] ، ولم يذكر الوضوء فدل على أنه أجر وفضل وليس بواجب ولا فرض. وأما ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ لأعضاء الوضوء معدودة معقبة فإنه أصل عظيم، وقد قال الجويني [6] : إن النقلة لوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل قط أحدٌ منهم أنه نكس وضوءه [7] ، فاطرد القرآن
(1) في"م"وهي.
(2) سورة البقرة، آيه 43 و 110.
(3) ليست في بقية النسخ.
(4) قال ابن الأثير: الضغث: معالجة شعر الرأس عند الغسل ليدخل فيه الغسول والماء. النهاية: 3/ 90.
(5) مسلم في كتاب الحيض باب حكم ضفائر المغتسلة.
1/ 259 عن أم سلمة قالت: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أمرأَةٌ أَشدُّ ضفْرَ رَأْسِي فَأَنْقضه لِغَسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ ان تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثِلاثِ حَثْيَاتٍ.
رواه أبو داود 1/ 174، والترمذي 1/ 175، والنسائي 1/ 131، وابن ماجه 1/ 198، وأحمد. انظر الفتح الرباني 2/ 135، والدارقطني 1/ 114، وعبد الرزاق 1/ 272، وأبو عوانة في مسنده 1/ 315، والبيهقي في السنن 1/ 181، وابن خزيمة 1/ 122، والنسائي في الكبرى 1/ 151، وشرح السنة للبغوي 2/ 17.
(6) هو إمام الحرمين وقد تقدمت ترجمته.
(7) وقوله هذا نقله النووي في المجموع 1/ 447.